"حق السلاطين" في أموال المحرومين

date 2016/11/23 views 3793 comments 14

لأنَّ تجديد البرلمان على مرمى حجر فقد تنازل النوابُ عن نصف علاوة نهاية العهدة، وهي إكرامية ابتدعوها لأنفسهم كما ابتدعوا غيرها فضلا عن أجرة تعادل 15 ضعف الأجر القاعدي للعامّة، وكانوا من قبل قد أطلقوا يد الحكومة في كل ما تقدَّمت به من زياداتٍ في المكوس من ضرائب ورسوم، وزكُّوا سياسة التقشف التي جمَّدت الأجور، وستسعِّر نيران الأسواق مطلع السنة القادمة.

لا شك ان من يتقاضى أجرة فوق الـ300 ألف دج (أي أغلب رجال الدولة من نواب ووزراء وجنرالات وولاة و..) لن يتوقف كثيرا عند رفع الضرائب والرسوم، كما ليس لأرباب المال والأعمال ما يخشونه حتى مع انتفاضة الحكومة لملاحقة المتهرِّبين منهم من الضرائب، في بلدٍ يعيش بنسبة 93 %على الجباية النفطية، فلن تسعفه لا الضرائب والرسوم التي تُؤخذ ظلما من الفقراء، ولا ينفعه استخلاصُ ما يتهرَّب به الأثرياء.

ومع ذلك، لا تثريب لا على الحكومة ولا على موالاتها التي لم ترفع كذبا ـ مثل بعض الأحزاب الإسلامية ـ شعار "الإسلام هو الحلّ" فيما نراها، وهي في المعارضة عندنا أو في الحكم في بعض الدول الإسلامية، تخلد إلى الأرض كلما تعلَّق الأمر بالموقف من الربا أو من النظم الضريبية التي هي عند عامَّة فقهاء المسلمين من جنس "المكس" وقد جاء تحريمُه بأحاديث صريحة: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ" أو قوله صلى الله عليه وسلم للزانية التي زنت وتابت: "إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقُبِلت منه".

بعض سلاطين بني أمية استحل المكس فسماه "حق السلطان" كما سمى بعضهم الربا بـ"المعاملة" أو "معدّل الفائدة" وسموا أقبحَ الظلم وأفحشه بـ"شرع الديوان"، وقد حرّم الخلفاء الراشدون على أنفسهم المكس، كما أسقطه من بعدهم عمر بن عبد العزيز، فيما استحله أكثر حكام المسلمين قديما وحديثا، فاستحله من استحله بتأويل باطل لحقّ الحاكم في أخذ الزكاة والصدقات، فيما يستحله حكامُ هذا العصر بحجة تعاظم وتوسُّع وظائف الدولة وتعدُّد خدماتها، بل أن الحجَّة الأكبر عندهم أنه لا سبيل لبناء دولةٍ حديثة بلا ضرائب وبلا ربا.

وأقرب جوابٍ لهم قديما وحديثا أن مكوس الجاهلية ورباها لم يشيِّدا دولة حديثة لعرب الجاهلية، ولا الربا والضرائب التي تُؤخذ اليوم عنوة من الأجير هي التي ستبني الدولة أو تُخرجها من الضائقة، ولسنا بالتأكيد في ضائقة مثل التي حلَّت بالمسلمين زمن اجتياح التتار، فاحتاج وقتها القائدُ المسلم قطز إلى مالٍ ينفقه على الجيش، فاستفتى العزَّ بن عبد السلام في ضريبةٍ على العامَّة، فرفض العز إلا بشرط أن يبدأ قطز بأمراء الدولة حتى يسوّي بينهم وبين العامة، فإن لم يف له ذهبَ إلى فرض ضريبة على العامة، وبيَّن أنه لا يحوز فرض ضرائب على العامة حتى يتساوى الوزراءُ والأمراء والأثرياء مع العامة في الممتلكات، فأخذ الأمير قطز بالفتوى وبدأ بنفسه ثم بوزرائه وأمراء الدولة، فجمع المال الحلال الذي لا ظلم فيه، فكان له النصر في معركة عين جالوت التي هزم فيها التتار وأنهى وجودهم.

  • print