الضعف في الرياضيات وفي اللغات: من المسؤول؟

date 2016/11/24 views 5693 comments 31
أبو بكر خالد سعد الله

أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة

كثيرا ما تشكو وزارة التربية من ضعف التلاميذ في ثلاث مواد أساسية، وهي الرياضيات واللغتين العربية والفرنسية. وغالبا ما تثير الوزارة هذه القضية عندما تقوم بعمليات إحصائية بعد صدور نتائج الشهادات المتوِّجة لكل مرحلة من مراحل التعليم الأولى (الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية). والأسباب يلمّ ببعضها الخبراء والمختصون المنظرون والميدانيون في سلك التعليم. لكن هناك حقائق يبدو أن بعض من يمسكون بزمام المدرسة يتجاهلونها عن قصد أو عن غير قصد. ذلك أن الجانب التنظيري يتغلب أحيانا على الجانب الميداني، والعكس أيضا يحدث من حين لآخر... كما أن القرار السياسي يطغى في الكثير من الأحيان على الجميع.

 

الرياضيات 

من المعلوم أن علماء الرياضيات في العالم تفطنوا منذ عقود إلى ظاهرة نفور عامة التلاميذ من الرياضيات. ونقصد بالرياضيات تلك التي تعتمد على قواعد المنطق المتينة والبراهين السليمة والتعابير الدقيقة الشفوية منها والكتابية. وقد اجتهد المجتهدون من الخبراء لوضع الإصبع على العلة في كل مكان، لكن قطار الإصلاحات والتحديث في بلدان عديدة عبر العالم تغلب في قيادته السياسيون فراحوا يُسَوّون الأمور بجذب المستوى التحصيلي نحو الأسفل.

بعبارة أخرى، فإنهم تخلصوا من كل ما ينفّر التلميذ... والمنفّر عموما هو ما يدعو إلى بذل الجهد والتركيز في التفكير وتكثيفه بدل الاعتماد شبه الكلي على الذاكرة. والمنفّر أيضا هو طلب الانضباط الفكري المبني على المنطق الرياضي كما رسمه أهله.

لقد اكتفى هؤلاء المسيرون بتزويد التلميذ بالصور والرسومات والجاهز من الحلول، وكذا تزويده بتلك العلاقات الرياضية التي إن وضعها التلميذ في ذاكرته نجح وإن حاد السؤال عنها قليلا رسب صاحبه. والمؤسف أن هذا الوضع رحب به التلميذ وولي أمره ورجل السياسة والمخطط التربوي والمنشغل بالدروس الخصوصية. 

هذا ما يحدث عندنا وفي عدة بلدان من قبيل بلادنا. لكن ما نختلف فيه عن البلدان المتقدمة والساعية إلى الازدهار هو التالي : أدرك ساسة تلك البلدان أنه من المؤسف أن تُدرَّس الرياضيات بهذا المنهج ومع ذلك عملوا به إرضاء للأغلبية. لكنهم، بالموازاة، فتحوا مدارس ومؤسسات تكوّن النخب وتسهر على رقيّ المواهب فصار هناك نوعان من المؤسسات في تلك البلدان : مؤسسة للأغلبية ومؤسسة للنخبة. والنخبة هنا لا تعني كمشة من التلاميذ بل تعني الآلاف من الذين لهم استعداد قوي –عكس الأغلبية- لمواجهة صعوبات تعلم الرياضيات وغيرها من العلوم "الجافة". 

ومن مميزات هذه النخبة أنها لا تكتفي بالاعتماد على الذاكرة، فهي قادرة على قضاء ساعات طوال دون ملل ولا كلل في البحث عن إجابة تتعلق بسؤال ورد في تمرين... حالها كحال متحدي الصعاب والعراقيل! وهكذا نجحت تلك البلدان التي عكفت على تكوين مثل هذه النخب واعتمدت بعد ذلك على ذكائها وقدراتها في تسيير شؤونها في شتى المجالات. 

أما نحن فقد اتبعنا أهواء "الأغلبية" كما أسلفنا وفرطنا في نخبنا فصارت هذه الشريحة من أتعس النخب في العالم إذ لم تجد من يأخذ بيدها لتزدهر وتقدم أحسن ما عندها حاضرا ومستقبلا. وما سيكون مصير دولة بدون نخب إن لم تكن الإعاقة المزمنة؟

اللغة العربية

ما من شك أن اللغة العربية ضحية الحاكم والمحكوم يكيل لها من هب ودب بدون تردد. وأهلها في البلاد العربية من أصحاب الحل والربط لا يبالون بتطويرها ولا يهمهم أبدا مصيرها. بينما تجتهد كل البلدان في تطوير لغاتها على الدوام. وهناك منها ما نجح كثيرا، ومنها ما لا يزال يتخبط في التعقيدات اللغوية وتداخل اللغات المتشابهة. 

هناك أسئلة كثيرة تطرح في هذا المجال : ما هي الجهود التي يبذلها أهل الاختصاص في تطوير تعليم اللغة العربية للتلميذ في مختلف البلاد العربية؟ وإن وجدت هذه الجهود (ونحن نعلم أنها غير منعدمة) فهل تَجَسَّد فِعلُها في المدرسة؟ ما هي الجهود التي تقوم بها مثلا مجامع اللغة العربية إذا استثنينا اللقاءات الدورية وبعض الكتابات والدراسات التي تظهر من حين لآخر؟ وبعبارة أوضح : أين أثر تلك المجامع والدراسات في الميدان؟ 

بطبيعة الحال، هناك عدد من الاجتهادات والدراسات تقدم اقتراحات جيدة، لكن من أخذ بها ومن التزم بها. لسنا أول من يقول بأن المشكل الأساسي في هذا المجال هو تعدد المجامع دون أن يكون هناك مجمع يوحد الكلمة والقرار والالتزام بالقرار من قبل الجميع. وفي هذا الباب نلاحظ أنه في أحسن الأحوال تصدر المجامع توصيات تدعو فيها إلى كذا وكذا دون أن تلتزم بها حتى هيئات المجامع ذاتها. 

وإذا عدنا إلى التلميذ، نقول إن من يتصوّر أن اللغة يتعلمها التلميذ في المدرسة فقط فهو واهم. إن الكثير من القواعد اللغوية والمفردات يتعلمها التلميذ من محيطه قبل المدرسة. والمحيط اليوم هو، بالدرجة الأولى، قنوات الإعلام والاتصال بمختلف أشكالها إضافة إلى الشارع والإدارات. كيف نريد أن يتعلم التلميذ إن كان جل من يستمع إليهم من المسؤولين الكبار والصغار يجهلون لغة المدرسة أو يتكلمونها بمشقة وتعثر؟ أو كيف يتعلم من لغة الإشهار عندما يقرأ مثلا "كونيكتي والهدرة باطل!"؟!!

 

اللغة الفرنسية 

تعتبَر الفرنسية –وهذا رأي أهلها- من أصعب اللغات في العالم. ولذا يحاول المختصون في فرنسا (سيما في الأكاديمية الفرنسية) بمعية السياسيين حمايتها وجعلها تقف أمام هيمنة الأنكليزية. لكن هذه الجهود المتواصلة لم تعرف النجاح المرجو منها. وأفضل دليل على ذلك ما أصاب التلاميذ الفرنسيين في كتابة النصوص حيث كثرت أخطاؤهم بشكل غير مقبول. 

ففي يوم 9 نوفمبر الجاري نشرت وزارة التربية الفرنسية إحصائيات دقيقة تشير إلى التزايد المذهل في الأخطاء الإملائية والنحوية لدى التلميذ الفرنسي. وتمثَّل الاختبار الذي أجرته الوزارة في إحصائها الأخطاء لدى هؤلاء التلاميذ في اختيار نص إملاء (من 67 كلمة) امتُحِن فيه التلاميذ عام 1987 ثم 2007 و 2015، فكانت النتيجة كالتالي: معدل 10.6 أخطاء عام 1987/ 14.3 خطأ عام 2007/ 17.8 خطأ عام 2015. 

وقد أثارت هذه النتائج موجة من الاستياء في جميع الأوساط الفرنسية. وعلى كل حال، فهذا يدل على فشل طريقة تدريس اللغة الفرنسية في عقر دارها. أما عندنا -وأيضا في البلدان المجاورة حسب ما قرأنا- فحدّث ولا حرج باستثناء بعض المدارس الخاصة وتلاميذ أبناء من يتكلمون الفرنسية في منازلهم. 

يبدو حسب بعض المتتبعين أن أحد الأسباب الرئيسية يتمثل في كوننا ندرّس اللغة الفرنسية لتلاميذنا كما لو كانوا من ناطقين بها، وليست كلغة أجنبية! ومهما جاء على لسان المسؤولين فلا عذر لهم أن يفرضوا على التلاميذ تعلم لغة مدة 10 سنوات -وخلال مئات الساعات- ويجعلونهم يتخرجون بمستوى لا يمكّنهم من كتابة جملة سليمة بتلك اللغة أو الإلمام بمعاني أبسط المفردات رغم أننا نقرأ في سجلاتهم المدرسية وفي البكالوريا علامات لهؤلاء في اللغة الفرنسية تفوق المعدل بكثير!! 

ولذلك كله نقول إن تقصير السلطات في الاهتمام بالنخب العلمية أمر صار لا يحتمل بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال. كما أن الاستهتار في اتخاذ القرارات الحاسمة التي من شأنها مساعدة التلميذ على تعلم اللغات بات خطرا على مدرستنا ومصير المتمدرسين.

  • print