محمّد بومعيزة أرشيف مغمور بحاجة إلى رد الإعتبار:

من حدّاد إلى صانع أسلحة.. هذه قصّة "لارمولي" مع الثّورة

date 2016/11/24 views 12096 comments 9
author-picture

icon-writer كريمة خلاّص

صحافية بقسم المجتمع في جريدة الشروق اليومي

محمّد بومعيزة أو "لارمولي" كما يكنّيه رفاقه في السلاح.. مجاهد بلغ سن التسعين، لكنه لازال يعيش بروح العشرين.. أبدع مع جيل الثورة ودجّج جيشها بقطع أسلحة من ابتكاره، وساهم بعد الاستقلال في حماية حدود بلاده من محاولات توسع الأشقاء على حسابها على غرار ليبيا والمغرب، وبعد أن اشتد عودها ساهم أيضا في نقل تاريخها للأجيال، فزوّد العديد من المتاحف الوطنية بتحف ووثائق خلّدها الزمن لتكون شاهدا على العصر وعلى بطولات صنعها الشهداء والمجاهدون بدمائهم.

"الشروق" زارته في بيته واسترجعت معه شريط الذكريات وقصة الحداد الذي حوّلته ثورة التحرير إلى صانع أسلحة بامتياز. 

الحديث مع عمي محمد يجعلك لا تمل من التاريخ الذي يلقن عادة في أسلوب كلاسيكي، فتاريخ عمي محمد مليء بالعلوم والفيزياء والرياضيات تاريخ صنعه شخص عصامي، داعبت أنامله كل أنواع السلاح العالمي، ليرد على السلاح الموجه لقتل الجزائريين بسلاح أثقل وأكثر فتكا، هاجم به فرنسا الاستعمارية في العمق وألحق بها خسائر فادحة. 

هو ابن فلاّح لم تطأ قدماه المدارس، ومع هذا تعلّم القراءة والكتابة شيئا فشيئا.. ركّز منذ نعومة أظافره على تلقن الحرفة والصنعة، فكان يعشق صناعة الأشياء ولأجل هذا تعلم الحدادة في سن صغيرة جدا، وعن هذا يقول عمي محمد "تعلّمت تلحيم الرصاص وكانت هي التكنولوجيا المسيطرة آنذاك وكان اليهود باسطين نفوذهم عليها في تونس، لذا لم أوفق كثيرا هناك، فالتونسيون آنذاك كانوا يعزفون عن عملي لأنهم تعوّدوا على مهارة عمل اليهود، وهو ما اضطرني للعودة إلى مسقط رأسي في سوق أهراس والعمل مع الجزائريين".

ولأن الاستعمار والفقر كان مستشر في المنطقة، فالعمل لم يكن بشكل يومي، حيث تتفق المداشر والقرى على استدعاء عمي محمد لتصليح أوانيها وتجهيزاتها، وفي كل مرة كان يتنقل إلى قرية معينة يصلح لها الصحون الحديدية والكؤوس ويلبسها حلة جديدة جميلة، وهكذا اكتسب سمعته إلى أن زار أحد القيّاد آنذاك قريتنا، فأعجبه كأس قصديري مزين كنت قد أصلحته وطلب الشرب فيه، وعندما سأل عن مصدره، وجهه الحاضرون نحوي، فطلب منهم أن أحضر إلى قريته لأصلح أواني وعدّة السكان هناك وبالفعل تنقلت وعملت هناك.

ويستذكر عمي محمد موقفا عنصريا من فرنسا الاستعمارية عندما تنقل إلى عنابة وطلب العمل في إحدى الشركات الفرنسية وبالتحديد محطة قطار تعمل بالغاز، لكن رغم أنه أثبت براعته ونجاحه في الاختبار، إلا أن مدير المؤسسة رفض توظيفه لا لشيء سوى لأنه عربي، ورغم المحاولات المتكررة للمسؤول، إلاّ أنّ المدير أظهر رفضا قاطعا. 

مظاهرات 8 ماي 45 بداية النضال من عنابة.. 

كانت مظاهرات 8 ماي 1945 التي رفع فيها العلم في عنابة تحت إشراف المجاهد شوادرية محمّد بداية المسيرة النضالية لعمي محمد، حيث شارك فيها إلى جانب كثير من الجزائريين.

يقول عمي محمد "نجوت في البداية من المداهمات التي شنها العدو على كل النقاط والمراكز، لكن بعد حوالي 8 أيام تم توقيفي إلى جانب مجموعة أخرى وبقينا واقفين إلى جانب الحائط من الثامنة صباحا إلى الرابعة مساء، وأيدينا مرفوعة، وتلقينا أشكال تعذيب عديدة، حتى إنهم كانوا يحقنوننا بحقن تصيب بالعقم، لكن إرادة الله كانت أكبر، وبعدها أفرج عنا بشرط مغادرة عنابة دون رجعة، وبالفعل خرجت ومن كان برفقتي في عام شر وقحط.. تهنا في أرض الله الواسعة وأكلنا القمح أخضرا من الحقول".

وبعدها استأنف عمّي محمّد مهنة الحدادة في مسقط رأسه بسوق أهراس، حيث يقول "كي أتعلم الصنعة جيدا كنت أسترق وأتطفل على الصانعين، لكن كثيرا ما كانوا يطردونني ما جعلني أتحايل عليهم، فقد كنت أشتري فنجان قهوة وأتقدم من الصانع قائلا "يظهر عليك التعب الكثير، لذا فكرت فيك وأحضرت لك قهوة تريحك" فيقبل القهوة ويتركني بجانبه.

وبعد مدّة بدأ عمي محمد في ممارسة الحدادة ولأن الشعب الجزائري آنذاك كان مسلحا إمّا للصيد أو بترخيص من الفرنسيين، فكانوا يحضرون سلاحهم لإصلاحه، وهنا يقول المجاهد بومعيزة "كنت أصلح ما أستطيع، لكن كان يلزمني آنذاك "الشاليمو" لتلحيم القطع الدقيقة، ولأتعلم فصول الصنعة انتقلت إلى عائلة كريمة جدا بفضل خالي رحمه الله تسمى عائلة قنايزية بلقاسم "القايد آنذاك"، مكثت هناك 6 أشهر كاملة تلقنت خلالها فنون الصنعة وتعلمت تصليح الحدادة وبعض تقنيات تلحيم السلاح".

بعدها عاد عمي محمد لمحل الحدادة وتصليح الأواني للشعب ويقول محدّثنا "كنت أصلح قطع السلاح في الخفاء للمجاهدين الذين يقصدونني من كل النواحي".

أعاد الحياة لمنجم شعبة البلوط وبأمر من الثورة دمّره 

أعاد المجاهد محمد بن معيزة الحياة لمنجم شعبة البلوط حوالي 20 كلم شرق مدينة سوق أهراس في العام 1953 بعد أن صلّح سكّة قطاراته 4 كلم من الطريق الذي ينطلق منه، ولأن فرنسا كانت تصدر مواد المنجم، كثر التواجد الفرنسي في المنطقة، وحدث تضييق على الثورة وتحركات المجاهدين، بعد أن تمركزوا في عدة أماكن تقريبا من الطارف إلى ساقية سيدي يوسف، ما أدى بقيادة الثورة أنذاك إلى تقرير تهديم المنجم وقطع سكته، ويقول محدثنا "هنا وجدت نفسي أمام نارين من جهة المنجم يوفر عملا ومصدر رزق للشعب، ومن جهة حاصر الثورة لكن المصلحة العليا للوطن والثورة تحتّم قصّه وتوقيفه"، ويضيف "حرقت المكان الذي يفرغ فيه الشحنة في المحطة الأخيرة في حدود العام 1955 لكن فرنسا لم تتوقف، ومشيت بعدها في أفريل 56 قصيت خط المنجم، أين تمر القطارات من فوق، فسقطت وانهارت كلها على مسافة 4 كلم وتكدّست على الأرض بمعادنها."

وبعدها وجّهنا رسالة لمالك المنجم نحذره فيها من مواصلة النشاط وإلا سيلقى مصيرا أسوأ مما لحق به، وبالفعل استجاب أمام الخسائر التي لحقت به، ومنها بدأ يقل التواجد الفرنسي ما أكسب الثورة مساحات أوسع. 

في غضون ذلك بدأت الوشايات تتسرب إلى العدو بنشاطي في تصليح أسلحة المجاهدين، وبدأ البحث عني يتكرر في كل مرّة بعد اندلاع الثورة، ويحضرون إلى البيت ويقلبونها بحثا عن أدلة تدينني، ولكن لم يعثروا على شيء، وأمام هذا الوضع لم يكن أمامي سوى الالتحاق بالإخوة في الجبل نهاية العام 1956.  

رحلة تصليح السلاح من سوق أهراس إلى تونس 

مكث المجاهد محمد بن معيزة عامين في الجزائر بمجال تصليح الأسلحة وتصنيعها إلى جانب معسكرات المجاهدين، حيث كان يتلقى وصولات من كل النواحي لتصليح أسلحة المجاهدين، لكن مصلحة الثورة تطلبت تنقله إلى الحدود الجزائرية التونسية عام 1958.

في البداية رفض الأمر وفضّل القتال إلى جانب المجاهدين، لكن قيادة الثورة أكدت حاجتها له وأهميته في تونس، سيما وأنها وضعت تجهيزات في المنطقة التي تعد أكثر أمانا واستقرارا.

ويؤكد عمي محمد أن أغلب قطع السلاح مرت على يديه، كما أنه كوّن العديد من الشباب من بينهم ألماني اعتقد بن خدة أنه هو من استقدم التقنيات لعمي محمد، لكنه تفاجأ عندما علم بأن العكس هو ما حدث. 

ويستذكر عمي محمد زيارة هواري بومدين للموقع، وكيف أنه أعجب كثيرا بنشاطه واطمأن، حيث قال له "تربح فقد أديت ووفيت".

ويؤكد عمي محمد أنه صلّح كل سلاح العالم تقريبا في تلك الفترة سلاح فرنسا وأمريكا 

وكل الوصولات لازالت شاهدا على عمله خلال الثورة، ولازال يحتفظ بجزء منها، فكل الفيالق كانت تتصل به لتصليح سلاحها من الغرب والوسط والشرق لأن كل الأمور كانت تمر من هنا، ولهذا وضعت في "المخنق" المكان الذي تحتاجني فيه الثورة أكثر.

واستدل بسلاح الانجليز، حيث "كان النابض يتسبب في عدم صلاحية الرشاش وعندما حاولنا تعديله في إيطاليا لم ينجح الأمر، فغيرت النابض بقطعة محلية كنت اشتريتها من مصنع في تونس، وبعدها أصبحت أشتري من العدو السلك وأصنع النابض بنفسي وحتى علب التعبئة".

كنت أخرج الجيش وأمسك المتفجرات وأشهد وأدعو الله للجزائر 

يقال إنّ من يعمل في المتفجرات لا يعيش أكثر من 6 أشهر، لكن ولحسن حظ الجزائر أطال الله في عمر عمي محمد الذي كان يصلح أسلحة فتاكة من بينها متفجرات وقنابل كانت تلقيها فرنسا على الجبال الجزائرية ولا تنفجر، فيأخذها إلى الورشة ويحاول إدراج تعديلات عليها للاستعمال من جديد.

ويقول عمي محمد "الجميع كان يتوقع أن لا أعيش لأكثر من 6 أشهر في عمل السلاح والمتفجرات، لكن الحمد لله ربي طول في عمري"، ويضيف "كنت في كل مرة أحاول إمساك المتفجرات أو القنابل، أخرج الجيش الذي يكون معي، وأطلب من الجميع الانسحاب مسافات بعيدة كي أموت وحدي ولا يتأذى أحد منهم لأن فرنسا عندما ترمي تلك القنابل تكون مملوءة بالمتفجرات واحتمال كبير أن تتفجر في وجهي وعندما تتقادم يعمّها الصدأ، لكن عندما تصلني يجب علي أن أخرج لها كبسولة المتفجرات، وبعد إخراجهم أردّد الشهادتين وألتفت إلى بلادي الجزائر، وأطلب الله تعالى باسم الشهداء ومن هم في السجون والمحاصرين وباسم الإسلام أن يعينني على هذا، ودوما كنت أطلب الله مادمت أحوز على هذه التقنية والتكنولوجية أن يطيل في عمري حتى تستفيد مني بلادي، وبعدها خذ ياربي روحي... والحمد لله بلغني الله عملي ودعوتي. 

زوّد جزائر الاستقلال بأرشيف ثقيل.. 

بعد الاستقلال واصل عمي محمد مهامه في مجال حماية الحدود من الأخطار التي كانت تتربص به، حيث استدعي لمواجهة تهديدات القذافي بالتوسع على حساب الجهة الشرقية، كما استدعي لمواجهة تهديدات المغرب الذي حاول التوسع على حساب الجهة الغربية.

ويؤكد المجاهد بومعيزة أنه أشرف على العديد من النواحي العسكرية وتنقل عبر 7 محطات عسكرية من الحدود التونسية إلى الحدود المالية.

ويضيف "أي تقنية جديدة في التسليح كنت أتلقنها بسرعة وبمهنية وعالجت العديد من المشاكل التقنية".

وأمانة منه في نقل تاريخ الجزائر للأجيال المقبلة زوّد عمي محمد العديد من المتاحف الوطنية بآلاف الوثائق والتجهيزات، وحتى الأواني ووسائل العلاج والتطبيب والتصوير وغيرها، على غرار متحف سوق أهراس والمتحف المركزي وغيرها.

ورغم أنه في التسعين إلا أنه تلقن التكنولوجيا الحديثة ونسخ كل الصور في أقراص مضغوطة.   

أرشيف كبير مغمور أدعو وزير المجاهدين للكشف عنه  

رغم أنّه أدى الأمانة على أكمل وجه إلا أنه لا زال يحمل هما كبيرا يدعو وزير المجاهدين لتخفيفه عنه فالواجب والضمير، كما قال عمي محمد، يحتمان عليه تبليغ أمانة للشهداء. 

وطلب محمد بومعيزة لقاء وزير المجاهدين الذي أثنى على مساعيه ومجهوداته، مبديا استعداده لمساعدته في العمل والوصول إلى الحقيقة لإيفاء الجميع حقه وقدره، حيث قال "لا تزال هناك أماكن ومواقع وأنا مجاهد وأرى أن هناك أمورا كثيرة لم تنجز"، وأردف "يجب أن أستعين بوزير المجاهدين لتخفيف الحمل عني، فعندنا مراكز لمخلفات الثورة ومغارات المجاهدين يجب أن تفتح لأن المجاهدين والشهداء قد مروا من هناك بالإضافة إلى جسور فرنسا المهدمة وسكك الحديدية بين تونس والجزائر ومنجم شعب البلوط، وكيف قص الحديد كل هذه الأمور يجب أن تكتب وتصوّر وتوثّق". 

كما طالب بفتح تحقيق في مدينة عنابة لجمع شهادات عن مظاهرات وشهداء 8 ماي 45 والبحث عن  الشهداء الذين ضاعوا. 

  • print