التقشف الحقيقي

date 2016/11/25 views 3862 comments 16

قرّرت ماليزيا، توقيف تنظيمها لمرحلة من سباق السيارات الشهير "الفورميلا1" بداية من سنة 2018، وهي التي سعَت في سنوات ماضية ،لأجل جذب هذا السباق العالمي، الذي كان يدرّ على الدول التي تنظمه ملايين الدولارات، ولكن الحكومة الماليزية التي يقودها حاليا الدكتور نجيب تون عبد الرزاق، رأت بأن هذا السباق الذي تصرف عليه سنويا، قرابة الثمانين مليون دولار، لا يكاد يصبّ في صناديقها أكثر من خمسين مليون دولار، فرمت بالسباق جانبا، ووافقها الشعب الماليزي الذي كان أول من طالب باحتضان هذا السباق الباهر إعلاميا، ثم كان أول من ثمّن إجراء الحكومة بإلغائه.

هذا القرار وقع في بلد أشهر رجالاته هم المهندس مظفر شكور الذي كان أول من صعد إلى الفضاء، ومهاتير محمد، الذي وضع سكة البلاد الصحيحة على درب العلوم والتكنولوجيا، فتحولت ماليزيا من بلاد لا تمتلك قطرة نفط ولا ذرة من المعادن النفيسة، إلى بلد يصدر المعارف التي ينتجها علماؤه الذين درسوا في إحدى عشرة جامعة فقط، في كامل التراب الماليزي، ولا تجد الحكومة بعد هذا أي حرج في أن تعود لتلغي سباقا عالميا، رأت بأنه سيمنح لشعبها بعض الفسحة المعنوية والمالية، وأكثر من ذلك قررت معاقبة الذين راهنوا على احتضان ماليزيا "للفورميلا وان" وأخطأوا في حساباتهم.

في الجهة الأخرى التي تعنينا، أكد قانون المالية الجديد، على أن الدولة سـ"تفرمل" كل البرامج الرياضية تحت مسمى التجميد، والكل يعلم والحكومة أيضا تعلم بأنه إلغاء نهائي، فقد تم غلق ملف المركبات الرياضية التي وضع بعض أحجارها الأساسية رئيس الجمهورية منذ سنوات، مثل ملعبي سطيف وقسنطينة، وتم استثناء مدينة وهران التي ستحتضن بعد خمس سنوات ألعاب البحر الأبيض المتوسط، ولا أحد قدّم لنا حسابا ولو تقريبيا، أو جدوى معنوية نظير احتضان مدينة وهران لهاته الألعاب التي صارت غالبية المدن الساحلية المتوسطية ترفض احتضانها وحتى المشاركة فيها، حيث ستصبّ الدولة ما لا يقل عن ملياري دولار في إنشاء مركبات رياضية وسياحية، قد لا تستفيد منها المدينة مستقبلا، كما حدث في البرازيل التي تقوم حاليا بمتابعة مسؤولين، بنوا ملاعب لاحتضان كأس العالم السابقة في كرة القدم، وصارت الآن مجرد أطلال.

والذين يراهنون على بعث الرياضة والسياحة والتجارة في عاصمة الغرب الجزائري، بعد كل هاته المصاريف بالعملة الصعبة، هم أنفسهم الذين راهنوا على إنعاش السياحة عندما احتضنت الجزائر في صيف 2001 المهرجان العالمي للشباب والطلبة، وراهنوا على إنعاش الثقافة، عندما احتضنت العاصمة وتلمسان وقسنطينة تظاهرات عواصم الثقافة العربية والإسلامية، فمرّت كل هاته التظاهرات، واحترقت الأموال والأعصاب، ولا أحد لمس صدق كلمة واحدة من هذه الوعود الآنية، ولا أحد كانت له الجرأة لتوقيف هاته الأخطاء على الأقل من باب التقشف، الذي تتحدث عنه البلاد، كما يحدث في بلاد كثيرة، وماليزيا مثال منها وليست وحدها.

الحكمة العالمية تدعو الإنسان لأن يركب ولو متأخرا ليصل ولو متأخرا، أحسن من ألا يركب إطلاقا، لكننا نصرّ على أن نتفرج على القطار، وهو يشق قلوبنا!

  • print