إرهاب الطرقات.. هل آن له أن ينتهي؟

date 2016/11/25 views 1314 comments 0

أحيى العالم الأحدَ الماضي اليوم العالمي لذكرى ضحايا حوادث المرور على الطرق، وتحدّثت كثير من وسائل الإعلام كالعادة عن الأرقام المخيفة لضحايا حوادث الطّرق، وأشارت إلى أنّ هذه الحوادث تودي بحياة نحو 1,25 مليون شخص كل عام، إضافة إلى عدد يتراوح بين 20 و50 مليون شخص آخر يتعرّضون لإصابات غير مميتة جراء تلك الحوادث، يؤدي كثير منها إلى العجز. كما أفادت الإحصاءات بأنّ 90 % من ضحايا حوادث المرور هم في البلدان ذات الدّخل المتوسّط والمنخفض، على الرغم من أنّ تلك البلدان لا يصل ما تمتلكه من مركبات نصفَ ما هو موجود في العالم!

لعلّ أكثر ما ينبغي أن نأسى له نحن الجزائريين، أنّ بلدنا الجزائر يعدّ من بين الدّول الرّائدة في حوادث المرور، مع أنّه بلد بحجم قارة، ولا يحتوي عددا كبيرا من المركبات مقارنة ببلدان أخرى يصل عدد المركبات فيها إلى أضعاف كثيرة لعددها في الجزائر، بينما مساحتها لا تصل رُبع مساحة الجزائر في بعض الأحيان! وهو ما يعني أنّ هذه الظّاهرة الخطيرة تحتاج إلى وقفات جادّة وحازمة من الجهات التي لها ارتباط بهذه الظّاهرة من قريب أو بعيد.

المسؤولية في استفحال هذه الظّاهرة هي مسؤولية الجهة المسؤولة عن بتطبيق قانون المرور في ردع العابثين الذين حوّلوا الطّرقات إلى ساحات لاستعراض مهاراتهم ليس في القيادة وإنّما في التهوّر، وهي مسؤولية الجهة المخوّلة بتجهيز وتهيئة الطّرق، وهي أيضا مسؤولية مدارس السياقة التي أصبح بعض المدرّبين فيها يمنحون الرخص بالرشاوى والوساطات، بل ومسؤولية الأئمّة والخطباء، في توعية أكثر من 15 مليون جزائري يجلسون كلّ أسبوع بين أيديهم، فكثير من السّائقين فقدوا الوازع الدّينيّ وأصبحوا يستهترون بالأرواح لأنّ مؤسسات الضّمان الاجتماعيّ هي التي يدفع فاتورة جناياتهم، ولأنّ بعض الأئمّة يفتون المتسبّب في القتل بكفّارة الإطعام بدل كفّارة صيام شهرين متتابعين، ولأنّ هناك مجالسَ للصّلح تفاوض أهل القتيل على الدية لتهوّن من قيمتها وتجعلها سهلة ميسورة لا تردع متهوّرا ولا تنكأ عابثا. نعم، الصّلح بين المسلمين واجب شرعيّ ومطلب اجتماعيّ، لكنّ مجلس الصّلح ينبغي أن يُسبق بمجلس تأنيب يُعقد مع أقارب المتسبّب في إزهاق روح مؤمنة، يعرّفون فيه بواجبهم الماديّ والمعنويّ تجاه أولياء الضحية، ومجلس آخر يُعقد مع أولياء القتيل يوصون فيه بالصّبر ويذكّرون بحكم الشّرع في المصاب الذي ألمّ بهم، ثمّ يتوّج السّعي بمجلس صلح يُقطع فيه الطّريق على الشّيطان لإضرام نيران العداوة والبغضاء بين الجانبين.

كثيرة هي الحالات التي تُكيّف فيها حالات القتل التي تنجم عن حوادث المرور بأنّها قتل خطأ، وهي في حقيقة أمرها حوادث قتل شبه عمديّ في أقلّ أحوالها، لأنّ حوادث المرور غالبا ما تكون بسبب السّرعة المفرطة أو التجاوز الخطير أو مخالفة إشارات التوقّف وخفض السرعة والأولوية، أو بسبب القيادة في حال التعب والإرهاق وغلبة النعاس، أو بسبب التهاون في إصلاح أعطال السيارة التي ربّما يكون لمصالح المراقبة التقنية دور في التغاضي عنها محاباة لبعض السائقين أو مقابل مبالغ مالية تُدفع تحت الطّاولات!

لقد أصبح لزاما على المجالس العلميّة لمديريات الشؤون الدينيّة والأوقاف أن تتحرّك لإصدار مذكّرات توضيحيّة، تحدّد فيها الأحكام المتعلّقة بحوادث المرور، وتضبط الكفارة والدية، بما يردع المتهوّرين والعابثين عن الاستهانة بالدّماء المعصومة. كما أصبح لزاما على الدّولة أن تعيد النّظر في الأسس التي يقوم عليها الضّمان الاجتماعيّ، بما يخلّصه من الإشكالات الشرعية المتعلّقة به، وبما يحرم المتسبّبين في حوادث المرور من أيّ تعويض، ويلزمهم دفعَ كافّة التّعويضات في حال ثبوت الخطإ في حقّهم.. طرقاتنا أصبحت مسرحا لمجازر يومية مروّعة، تُزهق فيها الأرواح وتسيل الدّماء وتتناثر الأشلاء، وقد آن الأوان أن يضطلع كلّ من له صلة بهذا الموضوع بمسؤوليته الدينيّة والدنيوية، ويعلم أنّ أيّ تأخّر عن أداء الواجب يعدّ مساهمة في إزهاق ما لا يحصيه إلا الله من الأرواح المعصومة، والنبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- يقول: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق" (ابن ماجة).

  • print