بشير حمادي.. رحمك الله

date 2016/11/25 views 2280 comments 5

عندما التحقتُ بجريدة "الشعب"، ذات سبتمبر من سنة 1980، كان أول شخص يقابلني هو المرحوم "بشير حمادي". لم أكن أعرف عالم الصحافة بعد، وكان عليّ الترشح للالتحاق به، وكان عليه أن يختبرني رفقة الصحفي القدير جمال صالحي ورئيس التحرير آنذاك محمد عبّاس. واختبرني كتابيا، وتحقق من قدرتي على الترجمة، وأنا الخريج حديثا من الجامعة، وتداول الأمر مع رئيس التحرير ومع طاقم القسم الوطني وتم قبولي متربصا تحت التجربة..

وأمام نظراته التي لا تُفارق أحدا من أعضاء القسم الوطني الذين لم يكن عددهم يزيد عن 05 بدأتُ أتعلم. كان أول مسؤول مباشر أقابله في عالم الصحافة. وكانت ورقتي قبل أن تَمرّ إلى رئيس التحرير ينبغي أن يؤشِّر عليها، ونادرا ما كانت تمرّ بلا لون أحمر. كل كلمة، وكل سطر يقرؤه بإمعان أمامك وأنت تنتظر الإجابة بالقبول أو الرفض أو إعادة الصياغة، وكثيرا ما كُنا نستنجد ببعضنا البعض لكي تمرّ أوراقُنا بسلام وعناويننا بلا روتوش أو تغيير.. لم نكن نرى رئيس التحرير إلا نادرا، مادام رئيس قسمنا قائما.. أمّا المدير العام السيد محمد بوعرُّوج، الذي توفته المنية هو الآخر هذه السنة رحمه الله، فكان هو محامينا عنده، يعفينا من ملاحظاته وينقل مطالبنا إليه.

كانت هذه مدرسة جريدة "الشعب" التي علَّمتنا الصحافة، وكان هؤلاء هم رجال الإعلام الذين تعلَّمنا على أيديهم. ودون أن نَشعر بدأنا ندخل العالم السحري للكلمة المكتوبة، الذي إن سكنك لا يفارقك إلى الأبد... ورويدا رويدا بدأت كتاباتُنا ترى النور، إلى جانب ذلك الاسم الذي كان يكتب "وقفة اليوم" ويوقع أسفلها: ب ـ حمادي، وكُنّا نتمنى أن نكون مثله..

كان هذا هو توقيع صديقي وأخي بشير حمادي الذي عشتُ معه أولى سنوات عملي في هذا القطاع، وها أنا اليوم أكتب أرثيه مُعزِّيا نفسي وأهله بهذا المصاب الجلل.

لا يمكن لكل من عرفه عن قرب إلا أن يُحِبَّه، لطيبة قلبه ودماثة خلقه، وليس بإمكان كل من اشتغل معه إلا أن يتذكر ابتسامته العريضة وذلك الوجه الطَّلْق الذي يقابلك به باستمرار. نسأل الله له المغفرة، وأن يُسكنه فسيح الجنان ويُلهم أهله الصبر والسلوان.

هكذا يعيش رجالُ الكلمة وهكذا يتوفاهم الله، وهكذا يتركون من تعلموا الكتابة الصحفية على أيديهم يسعون لأن يرفعوا من شأنها كما فعلوا، وأن يحافِظوا على قيمة الكلمة المكتوبة، أمانة في أعناقهم، ورسالةً تَحمِل الحبّ والخير والأمن والأمل لهذا الوطن كما كانت لديهم وكما ينبغي أن تكون باستمرار من بعدهم.

  • print