32 سنة برَكات

date 2016/11/30 views 3718 comments 11

من أجل منع عددٍ من النقابيين من الوصول إلى مقرّ المجلس الشعبي الوطني للاحتجاج على مشروع قانون التقاعد الجديد، لم تتردّد السلطة في معاقبة مئات الآلاف من الجزائريين الذين عادوا من ولاياتهم الداخلية إلى أماكن عملهم مع بداية الأسبوع، فوجدوا كل المنافذ المؤدية إلى العاصمة مغلَقة في وجوههم، ووجد المسافرون أنفسَهم يقضون بين الرغاية أو بئر توتة وقلب العاصمة وقتا أكبر بكثير مما قضوه بين ولاياتهم الداخلية ومشارف العاصمة!

إنها ذهنية العقاب الجماعي التي تعوّدت السلطة أن تتعامل بها مع المواطنين كلما كان هناك من يعارض قراراتها ومشاريع قوانينها وتوجُّهاتها، فتعاقب أناسا بـ"جريرة" غيرهم، إن كانت هناك جريرة أصلاً، وهي بذلك لا تختلف عن أيِّ مجموعة من المواطنين الغاضبين الذين يقطعون الطرق العمومية للاحتجاج على السلطة بشأن مسألةٍ ما، فيعاقبون مواطنين مثلهم بشلّ حركة المرور أمامهم ساعاتٍ عديدة! 

تُرى هل كانت السماء ستنطبق على الأرض لو تحلّت السلطة بسعة الصدر وتركت النقابيين يجتمعون أمام المجلس الشعبي الوطني ساعاتٍ معدودة ليعبّروا عن رفضهم مشروع قانون التقاعد الجديد ثم ينصرفوا إلى بيوتهم؟ وهل كان يضيرها أن تنزل إلى المحتجّين وتستمع إليهم وتحاورهم وتبحث معهم عن حلٍّ وسط للمشكلة المطروحة منذ أشهر وما خلّفته من إضراباتٍ واحتجاجات؟ وما الذي منع النوابَ من النزول إلى البريد المركزي للحديث مع النقابيين المحتجِّين؟ ألا يُحسن هؤلاء سوى رفع الأيدي للموافقة على جميع مشاريع قوانين السلطة ومعاداة كل من يتمرّد عليها؟

تخطئ السلطة إذا اعتقدت أنها قادرة على فرض الأمر الواقع على ملايين العمال الجزائريين من خلال الإصرار على التشبّث بمشروعها القانوني دون تعديل والإيعاز إلى نواب الموالاة بتمريره كما هو؛ فالإضرابات والاحتجاجات العمالية لن تتوقف، ما سيُربك شتى القطاعات ويُدخل البلاد في دوامةٍ من الاضطرابات.. ملايين الجزائريين قد يصبرون على "العقوبات الجماعية" التي جاء بها قانون المالية 2017 على شكل زياداتٍ جديدة في الأسعار والضرائب والرسوم، ولكنهم لن يصبروا على قهرهم وإجبارهم على العمل سنوات إضافية بعد أن يُنهُوا 32 سنة من العمل بذريعة أنهم لم يبلغوا الستين من العمر، ما ذنبُ الذين بدأوا العمل مبكرا حتى يعاقَبوا بالعمل سنواتٍ إضافية في حين لا يعمل المسؤولون السامون في الدولة سوى 6 أشهر فقط قبل أن يستفيدوا من التقاعد بنسبة 100 بالمائة؟ أليس هذا "حُقرة" وتمييزا صارخا بين الجزائريين ومخالفة واضحة للدستور الذي ينصّ على مساواة الجميع أمام القانون؟

مرّة أخرى نتمنى أن تُراجع السلطة مشروعها القانوني الخاصّ بالتقاعد، وأن تكتفي بإلغاء التقاعد النسبي وتترك التقاعد المسبق لمن استكمل 32 سنة من العمل.. 32 سنة من العمل تكفي، وما فوق هذه المدة هو قهرٌ واستغلالٌ واستعباد لملايين العمال لن يزيد الجبهة الاجتماعية المضطربة إلا احتقانا وتشنّجا وغليانا.

  • print