انهيار أسطورة نهاية التاريخ

date 2016/11/30 views 3954 comments 32

في اليوم الموالي لسقوط المعسكر الاشتراكي، كتب فوكو ياما مرافعته الشهيرة لصالح النموذج الغربي تحت عنوان "نهاية التاريخ"، نبوءة سابقة لأوانها زعمت أن البشرية قد اهتدت أخيرا ـ مع اقتصاد السوق والتداول الديمقراطي على السلطةـ إلى الحَجر الفلسفي للإدارة الراشدة للشأن العام وصناعة المال بالمال، لا سبيل بعدها لترقب ابتكار نموذج بديل لنموذج قد بلغ الكمال.

أقل من عقدين بعد سقوط جدار برلين، وانهيار المنظومة الاشتراكية المنافِسة للنموذج الغربي، وبداية تكشُّف عوراته بعد أن خلا له الجوّ ليبيض ويصفر، وظن بعضهم أن الطريق بات معبّدا لقيام الرايخت الليبرالي لألف سنة قادمة تحت عنوان النظام العالمي الجديد، اضطر فوكو ياما إلى مراجعة أليمة حتى قبل أن تفتضح الليبرالية الغربية ونموذجها الديمقراطي في الردة الرهيبة لدولة القانون بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، واعتماد الباتريوت آكت السالب للحريات، وتدافع التسريبات عبر ويكيليكس ومحتويات الصندوق الأسود الذي نقله سنودن عن منظومة ليبرالية فاشية تعمل منذ عقود تحت عين "الأخ الكبير" الذي لم يسلم من رقابتها اللصيقة حتى رؤساء الدول.

الزهو الغربي بتفوُّق نموذجه كان وما يزال يسبِّح بثلاث آيات شيطانية يلوكها إعلامُه ونخبُه على مدار الساعة: التفوُّق في صناعة الثروة على بقية الأنظمة منذ اسقاط الإقطاع، ودولة القانون الحارسة للحريات، والتداول السلمي على السلطة بالاحتكام إلى الشعوب التي يسوقها صنَّاع الرأي، لولا أن الأركان الثلاثة لهذه الديانة قد سقطت بلا رجعة في اليوم الموالي لأحداث 11 سبتمبر 2001، ووضع أكبر ديمقراطية تحت حراسة "الباتريوت آكت" السالب للحريات، ثم سقوط ركنه الثاني مع انفجار أكبر وأخطر أزمة مالية هيكلية في النظام المالي الربوي ابتداء من 2008، وأخيرا بداية تفكك اسطورة التداول السلمي على السلطة مع تعثر برنامج فرض الديمقراطية على الشعوب بصواريخ طوماهوك، أو عبر ثورات مخملية تقاد عبر فيس بوك وتويتر.

ما بقي من نبوءة فوكو ياما يُعبث به اليوم في حرب كونية زائفة على الإرهاب حيث ينجح معتوهٌ يقود شاحنة قاتلة مجنونة، في فرض حالة الطوارئ السالبة للحريات، فيما ينجح انقلابٌ عسكري أفشله المدنيون في منح عصا العسكر لحاكم منتَخب يبطش بها كيفما شاء، وما بقي من النبوءة يسقط مع بداية تفكُّك الإتحاد الأوروبي وحيرته المتصاعدة أمام تصاعد يمينه الشوفيني المتطرِّف.

غير أن اكبر هزيمة تلحق اليوم بالنموذج الغربي الليبرالي هي في تنامي "كفر" الشعوب بنخبها السياسية ورواد الرأي التي فقدت القدرة على تجديد الذات وتغيير الخطاب وقد فقدت القدرة على صناعة الحلم، حتى وهي تهيمن على أدوات صناعة الأساطير بالإعلام وبمركب هوليود، وبشبكة صناعة وهم التواصل الاجتماعي الكاذب التي بات ينقلب سحرها على الساحر، حتى صرنا على مشارف نهاية للتاريخ تقرأ نبوءاتها الصادقة في صحف أورويل وجاك لندن، وليس في تلك النهاية الكاذبة الخاطئة التي أوحى بها الدجال لفوكو ياما قبل أن تنسخها أحداث تاريخ لم تُكتب نهايته بعد. 

نُشر في عددٍ سابق

  • print