الفنان المخضرم حميد بارودي في حوار لـ"الشروق":

فرنسا منعتني من الظهور في قنواتها وسياسيون كبار في ألمانيا اقترحوا عليّ "الباسبور" ورفضت

date 2016/12/01 views 38692 comments 33
  • لست بوعلام صنصال ولن أتنازل عن جزائريتي مقابل "يورو" فرنسا
  • هكذا تعرفت على عادل إمام وعلي الحجار في فندق "أم كلثوم"
  • "قافلة إلى بغداد" فتحت علي أبواب جهنم وهددت بالطرد
  • لم أركع لفرنسا وغادرتها بعد موقف
  • جديدي ديو مع محمد منير ولهذه الأسباب لم أتعامل مع عمرو دياب
  • الشاب حسني هو عبد الحليم الجزائر وعثمان بالي فنان عالمي
  • عشنا "الربيع العربي" في 1988 وما حصل مؤخرا "خريف غربي"
author-picture

icon-writer حاوره: حسان مرابط

صحافي مهتم بالشؤون الثقافية والفنية

يعود الفنان حميد بارودي في حوراه إلى نقاط الظلّ التي شهدتها مسيرته الفنية التي بدأت من الجزائر، ثمّ فرنسا، إلى ألمانيا، وسبب منع فرنسا له من الظهور في قنواتها، وكيف هددته اللوبيات في ألمانيا بسبب موقفه من العراق وسبب رفضه "الباسبور" الألماني.. ويكشف صاحب رائعة "قافلة إلى بغداد" الذي التقته "الشروق" في فندق "الجزائر" (سان جورج سابقا) بالعاصمة، على هامش مشاركته في تأبينية الفنان السوري الراحل تيسير عقلة عن علاقته ورأيه في مامي وخالد والشاب حسني، وماذا قال له الأخير، وكذا رأيه حول من حمل الجنسية المغربية من الفنانين الجزائريين، فضلا عن جديده في 2017 المتمثل في ألبوم جديد وفيلم سينمائي طويل.

ما سبب غيابك الطويل عن الساحة الفنية والإعلامية في الجزائر؟

أكثر من 12 سنة مرّت في عمر الثقافة الجزائرية، "يقصد فترة الوزيرة خليدة تومي" وكانت الخزينة مليئة بالمال، لكن الإنتاج غائب.

إذا مررت في وسائل الإعلام من أجل أن يراني أو يسمعني الناس وأنا لا أملك إنتاجا جديدا فما الفائدة؟ لذلك الأفضل أن أقوم بعمل يكون في وقته، وإذا أنجزت عملا يصدر في مناسبة معينة ليسمع بك الجمهور، مثلا كل ثلاثة أشهر تنتج أغنية "هيت" للرقص وتمر بها في الإعلام، لكن تنسى بعد فترة، وأعتقد أنّك لو تنتج عملا فنيا جادا لاسيما وأنّ جيل اليوم هو جيل "سمارت فون" و"الانترنت"، فلو تحدثت معهم عن أغان جديدة "خفيفة" لا يعرفونها، بينما إذا ذكرتهم بـ"سبحان الله يا لطيف" يتذكرون العنقى، أو "الحجلة" يقولون لك لدحمان الحراشي.. وغيرها، لذلك عمالقة الفن في الجزائر رغم عدم توفر التكنولوجيا والإمكانات، إلا أنّهم قدموا أغان وكتبوا نصوصا خالدة.

هل تؤثر القطيعة مع الجمهور على شهرة الفنان؟

الشهرة أصبحت سهلة، فمثلا برامج "ستار أكاديمي" تجعلك مشهورا في فترة، لكن بعدها يأفل نجمك، بسبب عدم وجود استمرارية وغياب قاعدة متعلقة بنشأتك في رحاب الفن. وعليه مثلا  لولا وجود صفرباتي لما وجد العنقيس، ولا قروابي ولا عبد القادر شاعو.. صحيح أنّ الجمهور يقول إنّ هذه أغنية لقروابي، ولكن من كتبها ولحنّها؟ وكذلك السوري تيسير عقلة لحن أغاني خالدة.

وبخصوصي أقول القافلة تسير من الشام إلى تومبوكتو، تأخذ زادها معها، وتستغرق وقتا طويلا، ويكون الأولاد في انتظارها، وبعد رجوعها يكون الأطفال على يقين أنّها تحمل مفاجآت وشيئا جديدا معها، كذلك حميد بارودي تعلم أنّه إذا أنجز عملا "كتابة نص، لحن،  توزيع موسيقي" يجب أن يكون متقنا ومحترما وعميقا، واشتغالي على الموسيقى والفن ليس لكسب المال أو الشهرة، بل نابع من أعماقي، وإذا لم أحس بالأغنية لا أؤديها ولا أقول أنّ الإعلام لم يروج لي.

هل اتصل بك مسؤولو الثقافة في بلادنا للمشاركة في المهرجانات وأنت رفضت، أم لم توجه لك الدعوة أصلا؟

لا يتعلق الأمر بالاتصال، أقول بكل صراحة أنت تطرح سؤالا مهما جدا، ربما غبت، لكن اشتغلت وقمت بتوزيع موسيقي لفنانين آخرين مثل المصري محمد منير وفرق في ألمانيا وعملت موسيقى لأفلام وللأفلام الكرتونية، وتعاملت مع مدرسة "التانغو" المعروفة في ألمانيا، وعازفين في الموسيقى الكلاسيكية، وبالتالي لا أنتظر أن يدعوني للمشاركة في المهرجانات من أجل المشاركة، لكن ما يحزّ في نفسك عندما تكون في الخارج يعترف بك الآخرون وفي بلدك لا.

مثلا كنت في القاهرة مع فنانين منهم علي الحجار ومحمد منير وعمرو دياب، وكان وقتها معنا عادل إمام، ولم أذهب إلى القاهرة لأتعلم "الكمنجة" أو لأغني في حفلة، بل ذهبت بصفتي موزعا موسيقيا، عديدهم طلب العمل معي منهم عمرو دياب، لكن لم يكن ممكنا أن أتعامل معهم جميعا.

وفي الصدد أخبروني أنّه لا يوجد بلد في العالم العربي "يعطي أهمية" للفنان المشرقي كالجزائر، لكن للأسف يتنكر لك أبناء بلدك.

وأتذكر العالمي عثمان بالي الذي كان يهاتفني ويطرح علي مشاكله، الرجل شارك معي في مهرجانات في اليابان وشنغهاي والبرتغال وبلجيكا وألمانيا، ورفعنا الراية الجزائرية، ولكن عند العودة  إلى بلادك لا أحد يهتم لأمرك.

خلال زيارتك إلى الجزائر لحضور تأبينية الراحل تيسير عقلة، التقيت ميهوبي، فما فحوى لقائكما؟

جئت للمشاركة في تأبينية "تيسير عقلة" ولا يمكنني دخول وزارة الثقافة دون أن ألتقي القائمين عليها لأنني فنان، تحدثنا عن مشاريعي، وناقشنا بعض الأفكار، فوزير الثقافة ميهوبي قبل أن يكون وزيرا هو كاتب وشاعر ويعرف وضع الفنانين ويشعر بهم أكثر باعتباره ابن القطاع. وكذلك قبل أن أشرف الصحافة بعملي الجديد وجب علي تشريف الوزير أولا، من باب احترام التدرج في المسؤوليات.

بدأت رحلتك في الغربة من فرنسا ثم ألمانيا خلافا لفنانين آخرين كمامي وخالد بقوا في فرنسا وحققوا فيها النجاح.. لماذا؟

لست من الفنانين الذين يركعون لكل ما هو من فرنسا، فأنا ابن الأمير عبد القادر، والشيخ بوعمامة والعربي بن مهيدي ومحمد بوضياف، وابن العلم والثورة الجزائرية، وكن على علم أنّ حميد بارودي في 1994 كان ممنوعا من الظهور في القنوات الفرنسية بسبب اتخاذي موقفا معارضا لكيفية تعامل فرنسا مع الجزائر إبان العشرية السوداء "من يقتل من؟

 هناك وقفت ضد فرنسا وصرّحت في تلفزيون "آرتي" أنّ الجزائر لا تسقط مهما فعلتم، ولهذا غادرت إلى ألمانيا، لذلك أردت تصحيح الفكرة "الأحلام لا تتحقق في فرنسا فقط".

كيف؟

مثلا تعمل على إنجاز فيلم سينمائي ثوري في فرنسا، فتعرض عليهم السيناريو وتطلب 2 مليون يورو، وعندما يقرؤون السيناريو يتصرفون فيه كما يشاؤون ويمنحونك أكثر من المبلغ الذي طلبته خدمة لتوجههم وبالتالي أنت تسير في تيارهم مثل بوعلام صنصال وآخرين.

أنا لا أسقط في هذا الفخ، لأنّ والدتي ربتني على مبادئ الثورة الجزائرية ولا أركع إلا لله. وفي ألمانيا شققت طريقي بنفسي ولم آخذ ولا "دينار" من الدولة الجزائرية ولم أطلب ولو "1 أورو" من ألمانيا ومن أراد التأكد عليه أن يفتح تحقيقا.. أعيش في ألمانيا منذ 35 سنة وأفتخر أنني مازلت أحمل جواز سفر جزائري ولا أملك جنسية ألمانية.

لكنك تقوم يزيارات دورية إلى الجزائر؟

طبعا، عندي إقامة في ألمانيا، وجواز سفر جزائري فقط، لا أستبدله أبدا رغم أنّهم أعطوني "باسبور ألماني" ورفضته، لأنني أقوم بدوري  كفنان وكسفير لبلدي وابناء شعبي، فكيف لي أن أتحدث عن الثورة الجزائرية والنضال وأنا أحمل جواز سفر غير جزائري.

ألم "تنزعج" منك السلطات الألمانية بعد رفضك "الباسبور الألماني"؟

أشير إلى وجود لوبيات كبيرة في الإعلام والثقافة بألمانيا تضغط عليك بشتى الطرق، فمثلا لما قدمت "قافلة إلى بغداد" في ألمانيا في بداية التسعينيات وهي تعبر عن موقف الجزائر من غزو العراق وقتها من طرف الأمريكان والعرب، وهذا الموقف الذي أخذته معي أدخلني إلى السياسة وأصبحت فنانا ملتزما، هددتني هذه اللوبيات المتعددة الجنسية التي كانت ضد العراق منها لوبيات أمريكية بريطانية فرنسية، خاصة وأنني لا أملك جوازا ألمانيا، وكانوا قادرين على طردي من ألمانيا، لكن الأغنية نالت شهرة في 17 بلدا وحصلت على المرتبة الأولى لثلاثة أشهر على التوالي في سباقات الأغاني، وكسبت ود الجمهور الأوروبي في المهرجانات واحتضنتني الصحافة الألمانية ووقفت إلى جانبي وتمكنت من هزم اللوبيات منهم السياسيون الذين لم يجرؤوا على طردي.

ما شكل هذه التهديدات التي تعرضت لها، أبلغت حدّ التهديد بالقتل؟

لا.. التهديد كان يستغل مكتب الهجرة، فعادة ما يرسلون لك دعوة، وعندما تذهب يخبرونك أنّه تنقصك وثيقة معينة وتتكرر فعلتهم ليخلقوا لك مشاكل، لكن عندما تدافع عن نفسك وتؤكد إقامتك الشرعية يعترفون بأنهم تلقوا تعليمات بخصوصك، وأنت تفهم مباشرة ما قمت به.

كيف كنت تتعامل مع هذه اللوبيات؟

أتصل بالصحافة الألمانية ويعجبهم الموضوع من الناحية الإعلامية، حيث يقوم الإعلام بالحديث عن القضية التي تكبر شيئا فشيئا وتصل إلى الحكومة وتتحول إلى قضية سياسية، وعليه هذه اللوبيات تروج لك وتخدمك بطريقة غير مباشرة.

على ضوء حديثك عن الجنسية ورفضك جواز السفر الألماني، مؤخرا منحت الجنسية المغربية لفنانين جزائريين منهم الشاب خالد. ما تعليقك؟

نعيش وقتا صعبا جدا، كان في الماضي الاستعمار يتم عن طريق الاحتلال العسكري، اليوم تغيرت الأمور واستعملت الهواتف الذكية والتويتر.. الربيع العربي بدأ في الجزائر في أكتوبر 1988، وهدف الربيع العربي الأخير (الخريف الغربي) هو زعزعة العالم العربي، وعندما ترى شبابا يائسا ويقال له أمنحك "فيزا" يوافق، فما بالك لو منحته "البطاقة الخضراء" فيمكنه عمل المستحيل من أجل أن يخرج فقط من بلاده.

وبالتالي من حصل على جنسية غير جزائرية ضعيف الشخصية ولم يكبر على قيم والديه، فلو باع بلاده يمكنه غدا أن يبيع والديه... لا أفهم لماذا؟.. هذه البلاد منحت لنا الكثير، وأقسم بالله أنني لم أطلب "باسبور" ألماني، ومن اقترح علي ذلك هم سياسيون كبار في ألمانيا، لكنني رفضت وقلت لهم لو أخذته يعني حطمت ما بناه الشهداء الأبرار.

نعود إلى قضية الجنسية، ذكرت لك خالد والطالياني؟

إذا بدلت جنسيتك يعني أنك بين أيديهم، يفعلون بك ما يشاؤون، ويستغلونك.

لكن هؤلاء الفنانين يبررون الموقف أنّ من منحهم الجنسية هو بلد شقيق وصديق وليست إسرائيل؟

لا أتحدث عن المغرب أو تونس، ولكن من يبدل جنسيته أعتقد أنّه ليس سببا كافيا، فمثلا 25 سنة وهذا الفنان يجول العالم يعني أنّ هذا الشعب الذي أوصلك إلى العالمية أدرت له ظهرك في النهاية، مثل بعض لاعبي كرة القدم وبالتالي عيب أن تخدع الشعب الذي ساعدك، والأمر مرتبط بالتاريخ، فهؤلاء الذين حصلوا على الجنسية كأنّهم تنكروا لأمّهاتهم لتتبناهم أم أخرى.

ما هي أحدث مشاريعك؟

سيصدر ألبوم جديد في جانفي القادم 2017، عنوانه "الرجوع إلى الإيقاع"، ومعناه عصارة جولاتي الفنية التي دامت أكثر من 25 سنة، يتضمن 10 أغان مؤدية بثلاثة لغات عربية وإنجليزية وإسبانية، وضمنها عمل مشترك مع فنان أجنبي، وأغنية "قافلة إلى بغداد"، لكن بنسخة أمريكية مع الحفاظ على الطابع العربي أقدمها رفقة مغني راب أمريكي معروف.

 إضافة إلى فيلم طويل هو مولودي الأول سينمائيا اخترت بعض أماكن التصوير في إسبانيا كغرناطة ومدن أخرى، وربما سأصور بمصر، السيناريو واقعي من كتابتي وإخراجي وإنتاجي. وأكثر من 30 بالمائة من التصوير سيكون في الجزائر. وإلى جانب الفيلم، اتصل بي الفنان المصري محمد منير لأقوم بالتوزيع الموسيقي لألبومه الجديد، فضلا عن ديو يرتقب أن يجمعنا قريبا بعد أن أنتهي من الترويج لألبومي.

لم نرك في ديو مع مغنين مثل خالد، إيدير، مامي، وكيف كانت علاقتك مع الشاب حسني؟

 في سنة 1985 قمت بتوزيع موسيقي لأغنية "صحاب البارود" التي غنّاها الشاب خالد، لكن خالد يغني الراي وأنا أميل إلى الطابع الغناوي، إيدير لديه مبادئ وهو رجل محترم أتفاهم معه. أمّا مامي ففي 1987 لما كان يؤدي الخدمة الوطنية في وهران عملنا معا قبل أن ينهي الخدمة وأحترمه كمغن. وبالنسبة للمرحوم الشاب حسني عملنا معا في حفل 5 جويلية سنة 1992 وأملك فيديو عن ذلك خاص بالكواليس وأتذكر أنّه قال لي: "حميد، هل يمكن أن استعير آلة "الباتري" ليعزف عليها أحد الموسيقيين في فرقتي فقبلت وقلت له "نحن إخوة".. لو بقي  حسني لسيطر على ساحة الراي، وأقارنه بزمن عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، حيث كان هناك جدل حول من يملك صوتا أفضل، وعبد الحليم عندليب.

هناك معلومات لا يمكنني ذكرها الآن، لكن قلتها لأحد المؤلفين وهو بصدد كتابة مؤلف عن المرحوم حسني.

في الختام، باختصار كيف ترى أغنية الراي حاليا في ظلّ موجة "الواي واي"؟

فقر الكلمة هو فقر الأدب، وزمن الراي الجميل انقضى بعد ظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة، ومغنو الراي اليوم لم يجدوا الطابع الذي يلائمهم فيتنقلون من الراي إلى الراب إلى الغناوي وهكذا.

  • print