تكبيرات ودموع ودعوات بالرحمة لـ"فنان الشعب"

هكذا ودّعت العاصمة الأسطورة أعمر الزاهي

date 2016/12/01 views 12698 comments 39
  • خليدة تومي: الزاهي كان مثل أبي العلاء المعري زاهدا متصوفا في فنِّه
author-picture

icon-writer زهية. م / ق.ر/ حسان مرابط / نادية سليماني

اكتست دروب العاصمة المؤدية إلى حي الرونفالي، الخميس، الشعبي بثوب الحزن والأسى لرحيل آخر أعمدة الفن الشعبي، الفنان أعمر الزاهي، أو "عميمر" كما يحلو لشباب الحي أن يلقبوه.. دموع وتكبيرات ودعوات بالرحمة لقامة من قامات الفني الشعبي الأصيل، كانوا هناك بالمئات، أغلبهم من أبناء الشعب البسيط وأبناء الحي الذي عاش فيه الفنان الكبير الذي طلق أضواء الشهرة باكرا، واختار أن يعيش ويرحل بسيطا كأي من أفراد محيطه.

حتى النساء خرجن لوداعه بالدموع على جانبي الطريق المؤدي رأسا إلى مقبرة القطار، حيث سار موكب الراحل. ومع الأعداد الغفيرة التي جاءت لوداعه، لم يكن في الإمكان مرور مواكب السيارات، فاختار محبو الفنان تشييع جثمانه فوق الأكتاف، وقد توشح بالعلم الوطني.

يصعب لحي الرونفالي بل يصعب للعاصمة أن تنسى "فنان الشعب"، يقول أبناء الحي عن  اعميمر، كان بسيطا وخجولا ومتعففا، كان صديق العائلات الجزائرية ومُحيي أفراح الفقراء، كان المال والربح المادي آخر همه، بل أحيانا كان هو الذي يدفع من جيبه.

عزلة أعمر الزاهي نسجت حول حياته قصصا وحكايات وصل بعضها إلى حدود الأسطورة، حيث دار كلامٌ كثير حول عزوبية شيخ الشعبي الذي لم يتزوَّج يوما، لكن تبقى أقرب قصة إلى المنطق تلك التي يرددها بعض مقربيه، أن الشاب ذا الأصول القبائلية، أحبَّ فتاة من حيِّه إلى حدود الجنون، وسافر إلى فرنسا لقضاء العطلة، ولما عاد طلب منه إحياء حفل فلبى الدعوة مثلما تعوّد دائما أن يفعل، ولم يكن يعلم أن العروس هي فتاته التي عشقها، وبعد أن علم بالحقيقة، صُدِم وقرر أن يعانق العزوبية إلى الأبد، وقد نظم في حق محبوبته قصيدة خلدتها، وعلى عادة قصص الحب العذري بقي الناس يختصمون في اسم المعشوقة: هل هي "زنوبة" أم "مريومة"؟ لكن شيخ الشعبي غنى  للحب دائما أجمل الأغاني التي احتفل بها عرسان العاصمة على أسطح العمارات والأزقة المفتوحة على البساطة، فكان باختصار "فنان الشعب" الأول.

أعمر الزاهي  من مواليد الفاتح من جانفي بعين الحمام بأعالي القبائل، عاش يتيم الأبوين، وانتقل إلى حي باب الوادي الشعبي بالعاصمة، فتكفلت عمته بتربيته. في هذا الحي العريق اكتشف موهبة تعلقه بالفن الشعبي والعزف على المندولين. شرع في الغناء مطلع الستينات وهو لا يتجاوز 22  سنة، مقتفيا أثر  بوجمعة العنقيس الذي تأثر به.

الخاتم، مريومة، ، زينوبة، فطومة، أنا عندي قلب، الخاتم، بالصلاة على محمد، يا قاضي ناس الغرام، يا المقنين الزين... كلها روائع طالما رددتها أزقة العاصمة وفي المقاهي والأعراس، وتعلق بها الرجال والنساء، يقول أحد أبناء حي أعمر الزاهي إن "الشيخ كانت له بصمة خاصة جدا يصعُب لأحدٍ تقليدها في أداء أغانيه، يعطي للأغنية في كل مرة إحساسا وروحا جديدين تصل مباشرة إلى المستمعين الذين ينصتون إليه".

عرف الزاهي انطلاقته الفنية في سبعينات القرن الماضي خاصة مع الراحل محبوب باتي، والباجي، والقصائد العريقة، حيث سجل ثلاث أسطوانات من نوع 45 دورة، ثم بعد ذلك سجّل اسطوانتين من نوع 33 دورة، وقدّم أول كاسيت غنائي له سنة 1982 "يا ربّ العباد"، وتلاها بعدّة تسجيلات لعدة أغان منها يا ضيف الله، الجافي، زينوبة، يا قاضي ناس الغرام، يا الغافل توب، الحراز، يوم الخميس، أنايا براني غريب، اسمع نوصيك يا إنسان...

انسحب أعمر الزاهي باكرا من الأضواء، حيث يعود آخر حفل له بقاعة ابن خلدون إلى نهاية الثمانينات، وآخر حضور إعلامي له إلى عام 1990 عندما حضر تكريما بإذاعة البهجة للراحل الحاج العنقي، ومنذ ذاك اقتصر حضوره على الأعراس العائلية التي كان يحييها في اغلب الأحيان بدون مقابل.

 

خليدة تومي: الزاهي كان مثل أبي العلاء المعري زاهدا متصوفا في فنه

قالت وزيرة الثقافة السابقة، خليدة تومي، أن أعمر الزاهي مدرسة للفن الأصيل، اهتزت مدينة سيدي عبد الرحمان لرحيله، كيف لا وهو شيخ الشيوخ الذي اختار أن يكون إلى جانب الشعب. وأضافت تومي التي  سعت لتكريم الزاهي عندما كانت على رأس وزارة الثقافة: "ذهبت إلى بيته وترجّيته أن نقيم له تكريما على غرار التكريمات التي كانت تقام لعددٍ من الفنانين، لكنه اعتذر لي وقال: لا أستطيع أن أقبل بهذا التكريم لأنني ساعته أكون قد قتلت نفسي، مستحيل أن أقبل بهذا". 

وأضافت تومي أن رفض أعمر الزاهي للتكريمات الرسمية لا يعود إلى موقف الفنان من السلطة، لكنه يعود إلى قناعة وفلسفة عميقة، تميَّز بها في حياته، فقد كان زاهدا في الدنيا، وتعوّد أن يحيي حفلات البسطاء  فقط، وكان يرفض إحياء الحفلات التي تقام مثلا في الفنادق الفخمة.

تومي التي احتكت بالفنان عن قرب، تقول إنه كان مدرسة أصيلة في فنه وظاهرة من المستحيل تكرارها، بل هي إحدى الهبات التي حبا بها الله الشعب الجزائري، فقد كان مثل أبي العلاء المعري زاهدا في الدنيا متصوفا في فنه، تقول وزيرة الثقافة السابقة.

 

كان يطالع الصحف الرياضية يوميا

الزاهي غنى للمولودية واتحاد العاصمة وطالب بـ"الأخوة" بينهما

المقربون من المرحوم الفنان الشعبي أعمر الزاهي الذي ووري، أمس، التراب عن عمر يناهز ال75 سنة، بعد صراع مع المرض، أكدوا للشروق أنه كان مولعا بالرياضة، وخاصة كرة القدم، حيث كان كل صباح يطالع الصحف الرياضة في حيه "الرونفالي" بباب الوادي، وخاصة الناطقة باللغة الفرنسية، ويعرف كل صغيرة وكبيرة عن البطولة المحترفة الأولى، ومن يحتل مقدمة الترتيب وحتى موعد الداربيات، وكان كلما أتيحت له الفرصة يتناقش مع أبناء حيه عن مخلفات جولة من البطولة، وعن المشاكل التي تتخبط فيها الكرة الجزائرية.

"خالي أعمر" كما يحلو لأبناء حيه تسميته، لم يبح يوما عن الفريق الذي كان يناصره، رغم أن البعض يؤكد أنه كان يحب مولودية الجزائر حتى النخاع، بدليل أنه أطرب أنصار المولودية مرات عديدة، والتسجيلات متواجدة في مواقع التواصل الاجتماعي.

أنصار مولودية الجزائر ومباشرة بعد وفاة الشيخ، لجأوا إلى مواقع الفايسبوك للإشادة بِمناقب الفقيد، وذكر خصاله الحميدة، على غرار التواضع وبساطة العيش ورفضه الظهور، وقد ظهر ذلك من خلال نوعية اللباس الذي كان يرتديه، وابتعاده عن أضواء الإعلام. 

كما تألّموا لِلمعاناة الطويلة لـ"اعميمر"  دون أن يبوح بذلك أو يستغلّ شعبيته الجارفة لِنيل مآرب دنيوية وضيعة، مُتضرّعين إلى الله عز وجل أن يتغمّد الرّاحل بِرحمته الواسعة ويُسكنه فسيح الجنان.

كما غنى أيضا لنادي اتحاد العاصمة في بداية الثمانينات لما حقق الفريق الصعود، وكلما يقترب موعد الداربي بين الفريقين (الاتحاد والمولودية) يطالب الأنصار "أولاد حومتو" بضرورة التحلي بالروح الرياضية وأن يلعبوا "خاوة ..خاوة".

أحد جيران الشيخ أعمر الزاهي قال للشروق أن "الشيخ" لم يرفض أبدا طلبات الرياضيين لإحياء حفلاتهم العائلية، حيث غنى سنة 2010، للاعب الدولي السابق دزيري بلال في حفل زفافه، كما كان يحضر العديد من اللاعبين السابقين أعراسه، مثل المرحوم سماعيل خباطو، حميد زوبا وعبد الرحمن مهداوي، وكمال قاسي السعيد وغيرهم.

 

الصحافة العالمية تنعي الزاهي وبوتفليقة يعزي أسرته

"شيخ  البلاد" الذي رفض تلقي حقوقه من ديوان المؤلف وغنى في أعراس البسطاء

بعث رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، رسالة ينعي فيها الراحل، أعمر الزاهي، أشار فيها إلى أن "هذا المبدع الذي أمضى حياته في خدمة التراث الموسيقي الوطني، أثرى المشهد الثقافي برصيدٍ معتبر من الأغاني والألحان التي حفظها الجمهور، وتمتع بها محبو الفن الشعبي" مؤكدا أن الفقيد كان من الفنانين الذين "تميَّزوا وأبدعوا روائع جميلة تنمُّ عن فن أصيل، فغنى للشعراء الفحول، منتقيا الكلمة المؤثرة والحكمة البليغة والأداء الرفيع بما تطرب له الأذن ويسمو به الذوق".

رسالة بوتفليقة لعائلة الفقيد والأسرة الفنية جاء فيها أيضا "لقد فقدت فيه الجزائر أحد أعمدة الغناء على مدى عقود طويلة، ولا شك في أنه سيظل قدوة للمبدعين، ومعينا يفيض عليهم ببدائع الفن، ويمكنهم من المزاوجة بين الأصالة والحداثة. ولئن فقدناه اليوم فلن نفقد فنه الذي سنلمس أثره في الأجيال الجديدة مطربين كانوا أو فنانين".

هذا؛ وقد تصدّر خبرُ رحيل أعمر الزاهي الصحف الدولية التي أشادت بمكانته كأحد شيوخ الشعبي الأصيل، حيث كتبت جريدة "لو بارزيان" الفرنسية تصف أعمر الزاهي بأكبر وجوه الفن الشعبي والموسيقى العربية الأندلسية في الجزائر، وأشارت الصحفية الفرنسية إلى "قطيعة الفنان مع كل  ماديات الحياة". من جهتها عنونت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية مقالها عن الراحل "أعمر الزاهي يفارق الحياة"، ذكرت الصحيفة في مقالها بعزلة "شيخ البلاد" منذ آخر حفل له بقاعة ابن خلدون بالعاصمة عام 1988 لينغلق على نفسه إلى الأبد.

موقع "الجزيرة" نعى أيضاً الراحل في مقال بعنوان "وفاة أعمر الزاهي أسطورة الغناء الشعبي في الجزائر"، وتطرّقت إلى مسار الراحل ومسيرته الفنية.

"عيون الخليج"، موقع "العربية نت"، موقع "راديو"، جريدة "اليوم السابع"،  موقع راديو "سوا"... كلها  تفاعلت مع خبر رحيل عملاق الفن الشعبي الجزائري، وأبرزت مدى المكانة الكبيرة التي يحظى بها وسط  الطبقات البسيطة التي اختار أن ينحاز إليها منذ أن اختار أن يطلق الإعلام وأضواء الشهرة، وينحاز إلى إحياء الحفلات وأعراس البسطاء. حيث عُرف عن الراحل انه اختار أن ينحاز إلى حياة الزهد والتقشف، حيث كان يرفض تلقي حقوقه من ديوان حقوق التأليف والحقوق المجاورة، وكان دائما يقول: لا أحتاج أيَّ شيء، وهو دأبه مع كل من يعرض عليه أيَّ خدمة، خاصة إذا تعلق الأمر بالماديات.

الزاهي الفنان طُبع بطابع الحي الشعبي الذي عاش فيه، حيث كان محبا للرياضة ومتابعا  دائما لأخبار البطولة الوطنية والفرق الجزائرية، حيث كان يقاسم أبناء حيه النقاش في الرياضة، وبقي وفيا "لعاصمته" ينشر الفرح بين أعراس البسطاء، الذين شيّعوه أمس بالمئات، وكلهم يجمعون أن مثله يبقى أسطورة من الصعب أن يجود الزمن بمثلها.

 

جنازة استثنائية وأجواء غير عادية ذكرّت بوفاة وردة 

رؤساء حكومة ووزراء وآلاف الجزائريين يشيِّعون الزاهي

علي بن فليس: الدنيا لم تكن إطلاقاً همّ أعمر الزاهي

ووري الثرى، بعد ظهر أمس الخميس، بمقبرة القطار بالجزائر العاصمة جثمان الفقيد أسطورة الغناء الشعبي الجزائري، أعمر الزاهي، الذي وافته المنية الأربعاء عن 75 سنة من العمر ببيته بالعاصمة، بعد صراع طويل مع المرض.

وقد شُيِّع جثمان الفقيد في جو جنائزي مهيب وأجواء غير عادية، بحضور وجوه رسمية وثقافية وفنية ورفاقه وأحبابه، والمقربين من عائلته وحشد غفير يقدر بالآلاف من الجماهير، التي أبت إلا أن تودعه وتلقي عليه النظرة الأخيرة.

ووسط التكبيرات وأصوات تترحّم عليه والحضور القوي لعناصر الأمن الوطني، غاب ممثلو الأحزاب الإسلامية، وشارك في جنازة المرحوم أعمر الزاهي واسمه الحقيقي "آيت اعمر" بعض الشخصيات الرسمية على غرار وزير الثقافة عز الدين ميهوبي، ورئيسي الحكومة السابقين علي بن فليس (حاليا رئيس حزب طلائع الحريات)، وعبد العزيز بلخادم، بالإضافة إلى رئيس المجلس الوطني للآداب والفنون عبد القادر بن دعماش، والمجاهد ياسف سعدي، إلى جانب وجوه فنية معروفة في الساحة الوطنية يتقدمها عبد القادر شاعو، عبد الرحمان القبي، حكيم العنقيس، سعيد حلمي، كما حضر الجنازة رياضيون يتقدمهم اللاعب الدولي السابق علي بن شيخ. فضلا عن آلاف المشيعين القادمين من العاصمة وولايات أخرى، خاصة من تيزي وزو مسقط رأس الراحل.

وعلى هامش الجنازة تحدث "الشروق" إلى قلة من الحضور، وأجمعت الآراء على أنّ الفنان اعمر الزاهي رجلٌ بسيط عاش بسيطا ولم تهمه الدنيا ولا الجاه ولا المال، مسيرة فنية حافلة والتفاف شعبي كبير.

 

شاعو: الزاهي هو من غنّى في عرس ولدي

قال عبد القادر شاعو إنّه تعامل مع المرحوم الزاهي في كثير من المناسبات منها الحفلات والأعراس، وأغان ثنائية، وآخر الديوهات كان منذ سنتين. ولفت شاعو لـ"الشروق" أنّه في أحد الأعراس التي أحياها برفقته قال له الزاهي إنه تعب وسيغادر، وعليه أكمل شاعو العرس. وكشف شاعو أنّه جمعه بالقبي والزاهي أغنية أخرى، وغنى الزاهي في حفل زواج ابنه مرتديا بذلة رسمية. 

وأوضح المتحدث أنّه في الفترة الأخيرة، بدأ يلاحظ علامات التعب على اعمر الزاهي، وكل من يريد زيارته في البيت لا يقبل، بل يفضل لقاءه في "الجنينة" الموجودة بمقرِّ سكناه.

وقال شاعو إنّ الزاهي كان عندما يلتقيه يلقي عليه السلام ويقول له "عسلامة بجاه ربي" نسبة إلى أغنية شاعو بهذا الاسم "جيراني"، وذات يوم تناولا العشاء معا في أحد المطاعم، وكان يرفض أن يدفع ثمن الوجبة مكانه، وفي النهاية صاحب المطعم هو من دفع.

 

حكيم العنقيس: الزاهي ليس صديق والدي فحسب بل أخوه

 بدوره، قال حكيم العنقيس لـ"الشروق" إنّ اعمر الزاهي كان رفقة والده بوجمعة العنقيس أخوين وصديقين يحترمان بعضهما البعض، وكان كلما كان لديهما حفلات كان يتصل بوالده العنقيس ليشارك معه، بل ويسبق به في كلّ شيء. وأضاف حكيم العنقيس أنّه أنجز ثنائيات، وأحيى حفلات مع المرحوم الزاهي ودعا الله أن يرزقه الجنة.

 

القبي: الزاهي محبوب الجميع وأغنية الشعبي لن تموت

يؤكد عميد الأغنية الشعبية، عبد الرحمان القبي، أنّ الفنان المرحوم اعمر الزاهي عايش بوجمعة العنقيس واستلهم منه، لكن شق طريقه ونجح في إبراز طابع خاص. وأشار إلى أنّ الزاهي معروفٌ لدى جميع الناس من الشرق إلى الغرب وفي أبعد نقطة من التراب الوطني. وأوضح أنّ صاحب رائعة "زينوبة" برز في السبعينات وحقق رواجا وصدى واسعا منقطع النظير، لافتا إلى أنّ الشعب الجزائري يكنُّ له الود والاحترام، وهو اسمٌ فني غني عن التعريف.

وطمأن عبد الرحمان القبّي الشارع الجزائري وهواة أغنية الشعبي، بأنّ هذا الفن لن يموت، ولن يندثر رغم أنه يفقد أعمدته الواحد تلو الآخر، لوجود مواهب شابة ومبدعة في هذا المجال.

 

بن دعماش: الزاهي عبقري ومدرسة في عقول الناس

قال رئيس المجلس الوطني للآداب والفنون، عبد القادر بن دعماش، إنّ المرحوم أعمر الزاهي ترك تراثا كبيرا، ونحت اسما من ذهب في عالم أغاني الشعبي. ويأمل بن دعماش أنّ تسير الأجيال القادمة على منهجه وتستلهم من عبقريته التي رفعت من أغنية الشعبي التي أسَّسها الحاج محمد العنقى، واسهم فيها بوجمعة العنقيس.

وأكدّ أن عبقرية الزاهية ستجعل المواهب الشابة تقتدي بها في مسيرة الفن الشعبي الجزائري، كان الزاهي واحداً من المناضلين الكبار في هذا اللون الشعبي. ويُعدّ الزاهي مدرسة في عقول الناس بدليل الجماهير الغفيرة التي تتذوق فنه، والدليل على هذا القول الوقفة الجميلة والكبيرة التي رافقته في الجنازة، وحسب بن دعماش، سيبقى الزاهي قدوة للأجيال القادمة، بعد أن خلد اسمه بأحرف من ذهب في التاريخ الفني الجزائري والعربي، لأنّه كان صادقا وبسيطا.

 

علي بن فليس: الدنيا لم تكن تهمّ الزاهي

بعد أن ترحَّم على روح الزاهي، قال رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، والرئيس الحالي لحزب "طلائع الحريات" إنّ الفنان اعمر الزاهي يتميز بالتواضع كخصلة أولى. وأضاف: "وإذا كان عليَّ أن أصفه فقولي إنّ حبه كان يتمثل في التواضع، ومن تواضع لله رفعه، وفضلا عن تواضعه كان يعتني بالآخرين ويقدِّم لهم يد المساعدة، ولم تكن الدنيا على الإطلاق همّه، فكان يحبُّ فعل الخير ويساعد الفقير، ومتواضعا على الدوام، فرحمه الله ورزقه الجنة".

 

 

رحيل  الفنان يشعل الفايسبوك

واسيني الأعرج وبراشد يرثيان الزاهي بكلمات مؤثرة

تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع حدث رحيل  الفنان أعمر الزاهي، الذي ترك فراغا يصعب شغله في أغنية الشعبي، حيث أجمع رواد الفايس بوك على أن رحيل عميمر سيترك أغنية الشعبي في حالة يتم. 

رحيل شيخ العاصمة تفاعل معه الإعلاميون والكتاب والمثقفون، حيث كتب واسيني الأعرج على صفحته الرسمية يقول "لقد أنهكه المرض والنسيان كما كل الذين سبقوه. وغدا سيحتلون الصدارة في المقبرة. رحم الله فنان الشعب البسيط والطيب، عمار الزاهي. قلبي يذهب هذا المساء نحو أهله وأقاربه، الذين تعرفت على جزء منهم عن قرب، وأحببتهم من كل قلبي، ونحو كل الناس الذين أحبوه بقوة، رحمك الله شيخنا الكبير. الإعلامي مهدي براشد كتب مقالا لقي تفاعلا كبيرا من قبل رواد الموقع الأزرق، حيث كتب مهدي يقول "وكأن الله سمع دعاءه.. لا تحوجني يا كريم لليد أللي ما ترتالي"، فخفف عليه ثقل المرض، وتوفاه في بيته بحيه "الرونفالي" (دربوز آرزقي لوني حاليا)، بين أحبابه عفيفا كريما، ولم ينقلوه إلى الخارج للعلاج، وهو الذي رفض أن يأخذه أي شخص للحج حيث علاج الروح، وقال: "إذا ناداني المكتوب والتربة... نمشي نغنم ما غنموه عرب وعجم". الشيخ أعمر الزاهي (تسمية يقال إن أول من أطلقها عليه الفنان كمال حمادي) واسمه الحقيقي أعمر آيت زاي من مواليد 1941 بعين الحمام بولاية تيزي وزو، تنقل إلى العاصمة وهو صغير، واستقر بحي الرونفالي (دربوز أرزقي لوني حاليا)، هذا الحي الذي قضى فيه كل حياته، وكان يشكل أحد هوامش حي القصبة العتيق، وهامش أغنية الشعبي كما رسم حدودها الحاج أمحمد العنقى.

لم يكن لعمر الزاهي أن يفلت من ربقة الكاردينال، فغنى على مقاييس العنقى وقواعده "الزين الفاسي"، و"مرسول فاطمة" وغيرها من ديوان "الملحون"، إلا أن روح الشاب الجزائري التي أنهكتها أوزار الاستعمار، وخيَّبتها إقصاءات الاستقلال، لم تكن لترتاح في أغنية تضيق عن رومانسيتها... بعد ظهور قليل لسبع مرات بين تلفزيون وإذاعة، وعدد مثلها من الأسطوانات وتسجيل "كاسيت واحدة"، أدرك أعمر الزاهي أن عالم الأضواء ليس عالمه، قرر الابتعاد عن كل ما هو رسمي، واختار عزلة لا يملؤها إلا أصدقاء مقرَّبون وأبناء الحي، وأعراس لا تعدّ ولا تُحصى، زاهدا في كل شيء، شعاره في الحياة هي: "شوف لعيوبك يا راسي وتوب لله"، وما غناه من قصائد في الجد والتصوف".

خبر رحيل شيخ العاصمة جعل "الفسابكة" يكتشفون فجأة شيئاً اسمه  الفن الشعبي الأصيل، وحتى من كان في السابق لا يبالي بهذا النوع من الغناء، تحوّل إلى فنان ذوّاق.

 

سلال يُغرد على تويتر والمواطنون ينعون الفقيد 

هاشتاغ # عمر_الزاهي يتصدّر الترند الجزائري  

تحوّل هاشتاغ #عمر_الزاهي إلى ترند على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" طيلة نهار أمس الخميس، حيث تفاعل الجزائريون من سياسيين وفنانين ومثقفين وطلبة ومواطنين... مع الهاشتاغ بشدة، والجميع كتب تعليقات مؤثرة للتعبير عن حزنه الشديد لوفاة عملاق الأغنية الشعبية.

ومن المُعزين على تويتر، كان الوزير الأول، عبد الملك سلال، فكتب "ببالغ الأسى والحزن وبقلوب مؤمنه بقضاء الله وقدره، تلقينا خبر وفاة أعمر الزاهي، أحد أعمدة الأغنية الشعبية، أشاطركم ألمكم وأحزانكم بهذا المصاب الجلل برحيله، وأتقدم إلى عائلته وكافة الأسرة الفنية بتعازينا القلبية الحارة، إنا لله وإنا إليه راجعون".

ومن الفنانين كتبت خريجة ستار أكاديمي سهيلة بن لشهب "هو عملاق من عمالقة الفن الجزائري الأصيل يرحل عنا اليوم، الله يرحم الفنان ويوسع عليه، إنا لله وإنا إليه راجعون"، وتفاعل الصحفيون مع الحدث، فغرد سليماني مليك "أعمر الزاهي رحل، القصبة حزينة والشعب الجزائري يفقد ملكا من ملوكه... الوداع يا فناناً لم ولن يتكرر..". وقال الصحافي زبير فاضل "وداعا يا أعمر الزاهي، يا من كنت تصنع صور الزهو في أفراح الجزائريين، وتغنِّي آلامهم، اللهم ارحمه وأسكنه فسيح جناتك. إنا لله وإنا إليه راجعون". وظهر التأثر على تغريدة كتبتها الصحفية الجزائرية بقناة "الجزيرة"، وسيلة عولمي "رحم الله عميد الأغنية الشعبية في الجزائر"، أما صُحفي قناة "فرانس 24" بن معمر نسيم، فتحسّر على مصير المقنين الزين بعد وفاة معلمه، فعلق "لن يغرد "المقنين الزين" بعد الْيَوْمَ... وداعا عمر الزاهي".  

فيما فضل كثيرٌ من المغردين الجزائريين على تويتر، نعي فقيد الأغنية الشعبية، بكتابة بعض الكلمات من أشهر أغانيه.

ومن تعليقات المواطنين، كتبت أمال ميرو "عاش كريما ومات متواضعا، كان وسيظل عمود الفن الجزائري ورائد الأغنية الشعبية، ألف رحمة عليه"، وغردت جزائرية "أعمر الزاهي، أيقونة من أيقونات الفن الجزائري، الله يرحمه ويغفر له، ويلهم أهله الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون".

وقالت زينا ميمي "راح الماس النفيس وبقا النحاس" إنا لله وإنا إليه راجعون.. رحمة الله عليك يا الذهب الصافي".

  • print