عقدة غبريطية اسمها التربية الإسلامية!

date 2017/02/04 views 15753 comments 33

مرّة أخرى تثبت وزيرة التربية، بن غبريط رمعون، أن مادّة التربية الإسلامية تشكل عقدة مزمنة لها، ولن يهدأ لها بال إلا إذا تمكنت من تهميشها حتى يصبح تدريسُها بلا معنى، وإلا لماذا تستثني الوزيرة هذه المادة من مسابقات نوابغ الشُّعب العلمية والتقنية للتعليم الثانوي وتقصرها على الشُّعب الأدبية وحدها؟ أليس هذا الإجراء حلقة من سلسلة مساعي الوزيرة للكيد لهذه المادّة وتهميشها بأيّ وسيلة؟

هذا الإجراء لا يتعلق بمسابقةٍ ظرفية عابرة كما قد يعتقد البعض، بل هو تمهيدٌ لإقصاء التربية الإسلامية من بكالوريا الشُّعب العلمية والرياضية في إطار "مخطط إصلاح البكالوريا" بين 2017 و2022 الذي قدّمته الوزيرة للحكومة منذ أشهر. ويبدو أن ردود الفعل الواسعة الرافضة لأي مساس بمكانة التربية الإسلامية، كتخفيض معاملها وساعات تدريسها وحذفها من بكالوريا الشُّعب العلمية، قد أجبرت الوزيرة على التراجع عن مخططها بعض الوقت، قبل أن تستأنفه بشكل ينطوي على الكثير من الحيلة والدهاء والالتفاف على الموضوع؛ فحذف التربية الإسلامية من مسابقات نوابغ الشُّعب العلمية والرياضية هو في جوهره تمهيدٌ لحذفها من بكالوريا هذه الشعب في السنوات القادمة، تماما مثلما هو حاصل مع فرْنسة المواد العلمية للتعليم الثانوي بشكل متدرِّج من خلال البدء بترجمة المصطلحات العلمية إلى الفرنسية. 

المسألة إذن واضحة في ذهن بن غبريط رمعون، ولن يهدأ لها بال حتى تنفذ مخططها بحذافيره، المشكلة فقط تكمن في تناقض الحكومة؛ فهي من جهة تطلق الحبل على الغارب للوزيرة باسم "مواصلة الإصلاحات"، ومن جهةٍ أخرى، تشنّ حملة ضارية على العقائد والمِلل والنِّحل الوافدة وتحذر من خطرها على وحدة المجتمع والوطن، وتدعو إلى التمسّك بالمرجعية الدينية الوطنية، فكيف يمكن تحقيق ذلك إذا همّشت التربية الإسلامية وتخرّجت أجيالٌ لا تفقه الحدّ الأدنى من دينها؟

على الدولة أن تكون واضحة في المسألة؛ فإذا كانت تريد المحافظة على المرجعية الدينية للجزائريين، ومحاربة التيارات والمِلل والنِّحل الوافدة كالأحمدية والتشيّع والتطرُّف... فهذه المَهمَّة العسيرة لا يستطيع أن تتكفل بها المساجد ووسائلُ الإعلام الوطنية وحدها، فقبل ذلك ينبغي تحصينُ الأجيال دينيا على مستوى المدرسة من خلال إيلاء أهمية بالغة للتربية الإسلامية ورفع ساعات تدريسها ومُعاملها لدفع تلاميذ جميع الشُّعب إلى الاهتمام بها، وفي المدرسة يمكن تعليمُهم التشبّثَ بمرجعيتهم المالكية الوسطية المعتدِلة المتسامحة. 

أما إذا كانت الدولة تريد مسايرة بن غبريط رمعون في تكوين أجيال علمانية، فلتستعدّ للأسوإ في السنوات القادمة، لأن التخلي عن تحصين الجزائريين دينيا منذ نعومة أظافرهم انطلاقا من المدرسة، يعني سقوط بعضهم في وحل الانحرافات بمختلف أشكالها وأصنافها، واتجاه بعضهم الآخر إلى البحث عما يرضي نهمه الديني من مصادر أخرى في عصر السماوات المفتوحة والإنترنت، وستتكرَّس حينها الطائفية ومختلفُ الفِرق والمِلل والنِّحل، وتشتدّ الخلافات والصراعات والعداوات، والنتائج معروفة...

المسألة إذن لا تتعلق بمادةٍ تعليمية فقط، بل بتماسك المجتمع والحفاظ على وحدته وتحصينه من الفتن، وعلى الدولة أن تعي هذه المسألة جيدا ولا تتركها في يد وزيرةٍ أثبتت أن بقاء التربية الإسلامية في المدرسة يشكّل غُصّة في حلقها، وهي تسعى جاهدة إلى تهميشها وتزهيد الأجيال فيها بأيّ وسيلة من دون أن تكترث بالعواقب الوخيمة التي سيجرّها ذلك على الوطن والشعب.

  • print