حذارِ.. حذارِ.. يا شبابنا

date 2017/02/10 views 11260 comments 0

نشرت جريدة "الشروق" في عددها ليوم الجمعة الماضي خبرا لافتا يتعلّق بوفاة شابّين وطالبتين جامعيتين في إحدى الشقق المفروشة بمحاذاة شاطئ "رفاس زهوان" بعنابة، اختناقا بالغاز.. وهو من دون شكّ خبر صادم ومؤلم، يُفترض أن تكون تفاصيله عبرة للشّباب العابثين بالأعراض، وعبرة للفتيات المستهترات المستخفيات، ممّن تخون الواحدة منهنّ ثقة والديها، وتكشف ستر خالقها، وترضى لنفسها أن تكون فريسة لذئب بشريّ، يغريها ويمنّيها، حتى إذا كان له ما أراد ألقاها على قارعة الطريق كما يلقي السيجارة.

لسنا في هذا المقام بصدد محاكمة هؤلاء الشّباب الذين أفضوا إلى ما قدّموا، وهم الآن بين يدي إله حكم عدل، يقضي فيهم بما شاء، ونحن نرجوه أن يعفو عنهم ويغفر لهم ويعاملهم بفضله ورحمته؛ وإنّما الغرض من الحديث عن هذه الواقعة هو دعوة الشّباب إلى أخذ العبرة والعظة من هذه النّهاية التي خُتمت بها صحائف هؤلاء الشّباب، وهي النّهاية التي يمكن أن تختم بها حياة كلّ شابّ ظنّ الحياة لهوا ولعبا ومتعا وشهوات. لا حدود ولا قيود، ولا وازع ولا رادع.

هذه الواقعة ربّما تميّزت بنهايتها المأساوية، لكنّ أمثالها من وقائع الخلوات المحرّمة ربّما لا تكاد تخلو من أخبارها صحيفة من الصّحف اليوميّة، في هذه السّنوات الأخيرة التي استشرت فيها ظاهرة العبث بالأعراض، بصورة لافتة، إلى الحدّ الذي أصبحت معه العلاقات بين الشّباب والفتيات أمرا معهودا ومألوفا، لا يكاد ينكره سوى قلّة من النّاس. بل إنّ كثيرا من الآباء ما عادوا يهتمّون لأمر بناتهم ولا يسألون عنهنّ، ومنهم من تأتيه الأنباء المتواترة عن طيش بناته فلا يعير للأمر أدنى اهتمام، لسان حاله يقول: "هذا هو الزّمان.. هذا هو الجيل"!.. وهكذا حتى وصلنا إلى واقع تخرج فيه الفتاة المسلمة من بيت أبيها لتركب سيارة صديقها، ويسافر بها حيث شاء، وربّما يصطحبها إلى الشّواطئ والحدائق والفنادق، ليعود بها في آخر النّهار وربّما في ساعات اللّيل وينزلها أمام بيتها، وربّما تغيب عن البيت لأكثر من يوم، من دون أن يسأل عنها والدها، وإن سأل كانت الأمّ بالمرصاد لتبرّر غياب ابنتها بأعذار كاذبة، لأنّها بكلّ بساطة هي من يؤزّها ويحرّضها على إقامة علاقات صداقة مع الشّباب لتستمتع بحياتها وتعيش "الرومانسية" التي تراها في المسلسلات، وتظفر بفارس الأحلام الذي تختاره وتعرفه جيّدا! 

أصبحت الدّراسة عكازا تتكئ عليه بعض الفتيات العابثات لتبرير غيابهنّ عن البيت، وأضحت الإقامة في الأحياء الجامعية بعيدا عن رقابة الوالدين، ملاذا لبعض اللاهثات خلف العلاقات والمغامرات، تتيح لهنّ الفرصة المناسبة والوقت الكافي للخروج والسّفر والمبيت حيث يحلو لهنّ، وحيث يحلو لبعض الذّئاب الذين يجدون في أسوار هذه الأحياء مكانا مناسبا لممارسة هوايتهم في الصّيد ونصب الشّباك!

تواطؤ آثم ارتضته بعض الأمّهات، ولا مبالاة قاتلة تحلّى بها كثير من الآباء الذين ألهتهم الدّنيا عن واجبهم في رعاية بناتهم ومراقبتهنّ وصونهنّ حتى لا يقعن ضحايا للذّئاب المتربّصين بالأعراض، وثقة صمّاء عمياء لا يزال يصرّ عليها بعض الآباء في التعامل مع بناتهم المتّجهات إلى الجامعات والأحياء الجامعية وإلى أماكن العمل في الإدارات والمؤسّسات؛ لم يعد لها من مبرّر في زمن وسائل التواصل الاجتماعيّ والهواتف المزوّدة بخدمة الإنترنت، التي ألقت بكثير من فتيات المسلمين إلى عام العلاقات والمغامرات الطّائشة، وقد ساعد على استفحال هذه الظّاهرة غياب التربية الدينيّة الإيمانية عن البيوت.. كم أبٍ يربّي أبناءه على استشعار رقابة الله والخوف من غضبه وعقابه؟ كم أبٍ يربّي بناته على تمثّل قول الله تعالى: ((أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى))، وقوله سبحانه: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ))؟ كم أمّ تربّي بناتها على أنّ العفاف تاج على رأس كلّ مسلمة حييّة وأنّ العرض هو أغلى ما تملكه الفتاة المسلمة في هذه الحياة بعد دينها، وأنّه يستحقّ أن تموت دفاعا عنه؟.. لماذا بدأت هذه المعاني تندثر من بيوتنا ومن واقعنا؟ كيف رضينا لمجتمعنا المسلم أن يحذو حذو المجتمعات الغربيّة حيث الانسلاخ من كلّ القيم الإنسانية؟

المسؤولية الأكبر في هذا الواقع هي مسؤولية الوالدين ومسؤولية الأسرة، تأتي بعدها مسؤولية مؤسّسات الدّولة المختلفة في وقف هذا الفساد المتزايد؛ إذ لولا التراخي في الرّقابة وتطبيق القوانين ما تجرّأت بعض الفنادق على فتح أبوابها للعابثين، وما تجرّأ بعض اللاهثين خلف المال على تخصيص سكنات ومحلات للرّذيلة.. تأتي بعدها مسؤولية المجتمع في النّهي عن هذا المنكر الوبيل، وفي مناصحة الشّباب وتحذيرهم من عواقب العبث بالأعراض في الدّنيا قبل الآخرة، ودعوتهم إلى الاعتبار بحصاد من ساروا قبلهم على هذه الطّريق، قبل أن يكونوا عبرة للآخرين.. إنّ الله يمهل ولا يهمل، وما من شابّ عابث إلا وله موعد لن يُخلفَه، مهما أمهله الله وعافاه في بدنه، فإنّه سيأتي عليه يوم يجني فيه حصاد ما يفعل في الدنيا والآخرة، وكما عبث بأعراض الآخرين سيُعبث بعرضه، وربّما يُختم له بخاتمة السّوء، وتُقبض روحه في موضع لم يكن يدور في خلده أنّ الموت سيأتيه فيه.

  • print