استباق ركبان تفكُّكِ الاتحاد الأوروبي

date 2017/02/15 views 2588 comments 11

بين الزيارة التي قام بها المرشح الأكثر حظا في الرئاسيات الفرنسية القادمة: إمانويل ماكرون، والزيارة الثانية للمستشارة الألمانية ميركل إلى الجزائر الأسبوع القادم، يوجد رابط أو أكثر، تتصدّره حاجة الدول الأوروبية إلى تنشيط علاقاتها الثنائية مع دول الجوار ابتداء من دول المغرب العربي، تحسُّبا لتبعات تفكك الاتحاد الأوروبي المسجَّل بوضوح في أجندة ترومب، التي توجب أيضا على دول المغرب العربي استباق ركبان "فريكسيت" فرنسي محتمل وخروج أكثر من دولة من الاتحاد.

منذ أسابيع نشرت تقارير رسمية أن الجزائر قد خسرت في اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أكثر من سبعة ملايير دولار، وكان جيرانُنا في تونس قد اكتشفوا زيف وهشاشة الاستثمارات الأوروبية بعد ترحيل رجلهم بن علي، فيما يصارع المغاربة على اتفاقية شراكة ملغمة مع الاتحاد رهنت الاقتصاد المغربي لعقود، وكانت الدول المغاربية الثلاث قد دخلت منفردة في شراكة متعدِّدة الأوجه استفاد منها الأوروبيون على أكثر من صعيد فيما قاول الاتحادُ من الباطن لمشروع الشرق الأوسط الأمريكي الجديد بتفكيك ليبيا، وضرب استقرار الإقليم لمغاربي لعقودٍ قادمة.

حالنا في المغرب العربي مع الاتحاد الأوروبي ليست أفضل من حال دول الخليج مع أمريكا، وقد لُدغنا فرادى وجماعة أكثر من مرة، وفشلنا في بناء شراكة قائمة على الندية كانت ممكنة مع دول منفردة: إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، سواء على الصعيد الاقتصادي العلمي والتكنولوجي وحتى على مستوى الإدارة المشتركة للأمن في الحوض الغربي للمتوسط، مع الاحتفاظ بصفحات التاريخ المشترك المأساوي مفتوحة على الطاولة، خاصة مع قوة فرنسا التي لم تتنكر لها حتى يومنا هذا، واستمعنا إلى السيد ماكرون وهو يذكِّرنا بعبارة تمجِّد الحقبة الاستعمارية كما فعل من قبل أغلب الرؤساء الفرنسيين.

أمامنا وأمام الأوروبيين فرصة حقيقية لمراجعة مُنصفة للعلاقات نستبق فيها مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد الأوروبي الذي بدأ مع البريكسيت، وقد يتسارع غدا مع احتمال وصول قوى اليمين المتطرِّف إلى السلطة هذا العام، وهو استشرافٌ متداول بجدية في قلب دوائر الحكم الأوروبية ومراكز الدراسات، وهو بلا شك يوفر فرصة جديدة لقادة المغرب العربي لإعادة بناء شراكات متوازنة منصفة مع الدول الأوروبية الخمس التي تنفرد بأكثر من 90 في المائة من المبادلات بين دول المغرب العربي وأوروبا.

وبالنسبة إلى الجزائر، فإن تحرُّر الدول الأوروبية من فرمانات بروكسل سوف يرافقه تحرُّر دول مثل إسبانيا وإيطاليا وألمانيا من المساومات الفرنسية التي كانت تبتزُّ سياسات الاتحاد تجاه المغرب العربي، وتحديدا تجاه الجزائر باعتبارها حديقة خلفية، ومحمية فرنسية صرفة لا يجوز الاقترابُ منها، هذا على الأقل ما أدركته ألمانيا وبريطانيا مبكرا بإعادة توجيه علاقاتهما مع الجزائر وفق ما تمليه مصالحهما، وسوف يعزز الاتجاه أكثر في الزيارة القادمة للمستشارة الألمانية إلى الجزائر، فيما قد تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية ـ المتردية أصلا ـ انتكاسة غير مسبوقة في حال وصول اليمين بنسختيه الخشنة والناعمة، ويُفترض أن نستبقها كما نستبق فرضية تفكُّك الاتحاد الأوروبي بإعادة بناء شراكة مع الأوروبيين بعيدا عن العبث الفرنسي الذي عمل معنا بنفس المنطق الذي عمل به الأمريكان مع دول الخليج.

  • print