في ميلة

date 2017/02/16 views 3710 comments 13

توجَّهنا يوم الأربعاء الماضي (8-2-2017) تلقاء مدينة ميلة، وكانت المناسبة في إحياء الذكرى الثانية والسبعين لوفاة الشيخ مبارك الميلي، رحمه الله، حيث أقامت مديرية الشؤون الدينية والأوقاف يوما دراسيا عن "المسيرة التعليمية والإصلاحية للشيخ مبارك "المبارك" كما وصفه بعض أشياخه في الزيتونة بتونس. وقد دُعي إلى تنشيط هذا اليوم الدراسي ثلة من الأساتذة هم الدكتور التواتي ابن التواتي من مدينة الأغواط، والأستاذ علي ابن الطاهر من مدينة قسنطينة، والأستاذ محمد مكركب من مدينة البليدة، والأستاذة آمنة مطعم من مدينة الجزائر، ومحمد الهادي الحسني من مدينة البليدة.

 لقد رعى هذا اليوم الدراسي السيدُ والي ولاية ميلة، وحضر شخصيا جزءا من فعالياته قبل أن يعتذر للانسحاب إلى بعض مهامه وأشغاله، وقد لاحظنا في المدة الأخيرة أن بعض الولاة يهتمُّون بالثقافة، ويشجعونها، ولم يبق اهتمامهم "محصورا" في العناية بالمطربين والمطربات، وإحياء "السهرات". 

لقد تناول الأساتذة الأفاضل جوانب مختلفة من حياة الشيخ مبارك ونشاطه في حياته القصيرة، (1897 – 1945)، فتحدث الدكتور ابن التواتي عن "إسهامات الشيخ مبارك الميلي في الحركة التعليمية والإصلاحية بمنطقة الأغواط"، لأن الشيخ مباركا عاش فترة من حياته في مدينة الأغواط، وقد ترك فيها أثرا طيِّبا، ويكفي أن من تلاميذه فيها من صاروا أقمارا منيرة، وشموسا وضاءة، وهم أحمد شطة، وأحمد قصيبة، وأبو بكر الأغواطي، وغيرهم، وهم الذين أكملوا مسيرة الشيخ مبارك في الأغواط عندما اضطرته الظروف إلى مغادرتها في سنة 1933، عندما تآمر عليه شياطين الإنس، الذين إذا ذُكر الله اشمأزت نفوسهم، وضاقت صدورهم، وأظلمت عقولهم.. 

إن مثل مبارك الميلي في تصديه لـ"جيش المؤرخين الفرنسي" كمثل الأمير عبد القادر، وأحمد باي، وفاطمة نسومر، والمقراني، وبوعمامة، ومجاهدي أول نوفمبر الذين تصدوا للجيوش الفرنسية الجرارة، وما منهم أحد دخل مدرسة عسكرية.. 

وتعرّض الأستاذ علي ابن الطاهر إلى الجانب الصحفي من نشاط الشيخ مبارك، وهو جانبٌ غني، ابتدأ بمساعدة الشيخ مبارك لأستاذه الإمام ابن باديس في جريدتي "المنتقد" و"الشهاب"، ثم في تحمُّله الإشراف على جريدة "البصائر" عندما استقال منها الشيخ الطيب العقبي إلى أن أوقفتها "جمعية العلماء" عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، حتى لا تفرض عليها فرنسا أن تقول ما يتنافى مع دينها، ووطنها، وشرفها.. 

وتناولت الأستاذة آمنة جانب جهود الشيخ مبارك في تصحيح عقيدة الجزائريين، وكشفه لضلالات المضلين، وأصحاب الأهواء والشركيات، الذين ضلو وأضلّوا – تم تحلية عقولهم بما صحَّ من عقائد كما جاء بها الإسلام الصحيح، وبينها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم. 

وتحدَّث الأستاذ محمد مكركب سمات رجل الدعوة والإرشاد كما تجلت في الشيخ مبارك الميلي... كما كان للأستاذ مكركب نشاطٌ في بعض مساجد ميلة.. 

وكان نصيب كاتب هذه الكلمة أن يتناول جهود الشيخ مبارك الميلي في كتابة تاريخ الجزائر، وهو الميدان الذي تفرّد فيه الشيخ مبارك، إذ لم يسبقه إليه في العصر الحاضر أحدٌ من الجزائريين.. حتى اعتبر "مؤسِّس المدرسة التاريخية الجزائرية". 

وقد رددتُ في مداخلتي على "طويلي الألسنة" الذين يغمزون في جهود الشيخ مبارك بأنه "غير متخصص" في التاريخ، ولكنهم لا يذكرون الفرنسيين الذين كتبوا عن تاريخنا وهم غير متخصصين في التاريخ من مثل إميل فيلكس جوتي، وجابرييل اسكير، وهانوتو، وشارل فيرو.. وغيرهم.. 

إن مثل مبارك الميلي في تصديه لـ"جيش المؤرخين الفرنسي" كمثل الأمير عبد القادر، وأحمد باي، وفاطمة نسومر، والمقراني، وبوعمامة، ومجاهدي أول نوفمبر الذين تصدوا للجيوش الفرنسية الجرارة، وما منهم أحد دخل مدرسة عسكرية.. 

إن أول معترف بـ"قصوره" في هذا الميدان هو الشيخ مبارك نفسه، ولكن هذا "القصور" ليس مبررا في رأيه لـ"التقصير"، ولهذا عندما شعر أنه قد "تعيّن" عليه أن يفعل شيئا لم يتردد – رغم صعوبة المهمة– وخاض "المعركة التاريخية"، حتى يأتي من يخوضها بالتخصص اللازم والأدوات الضرورية.. 

وقد قدَّر الإمام ابن باديس جهود تلميذه فأكبره، فاعتبر كتاب الميلي: "أول كتاب صوّر الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية، بعدما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهناك... (فـ) ليس كفاء عملك أن تشكرك الأفراد، ولكن كفاءه أن تشكرك الأجيال... وأنا واحد من هذا الجيل – بلسان من يشعرون شعوري – أشكرك لأقوم بما علينا من واجب لأقابل ما لك من حق". (انظر تاريخ الجزائر في القديم والحديث للميلي). وأشار بعضهم إلى ما سماه "عدم الموضوعية"، فالموضوعية لا تعني عدم التفاعل مع الحوادث، وإنما تعني "اختلاقها"، أما أن أصف مجرما بالإجرام فذلك هو لبُّ الموضوعية.. وقد كان الأستاذ مولود قاسم – رحمه الله– يقول: "عندما أتحدَّث عن جرائم فرنسا في الجزائر فأنا لا أشرح ضفدعة أقف أمامها بدون مشاعر". 

وليخبرنا أصحابُ الموضوعية عن "موضوعية" شارل فيرو عندما قال إن عقبة بن نافع احتلَّ بجاية فنهب خيراتها، و"اغتصب" نساءها، مع أن عقبة لم يمر على بجاية – التي لما توجد بعد– لا في غدوّه ولا في رواحه، ومع ذلك لا يعلق "الموضوعيّون" على ذلك، فمثلهم هو: "إذا قال الفرنسيون صدّقوهم ولو كذبوا". وقد صدق علي بن الأمير الأمير عبد القادر عندما قال عن فرنسا بأنها "أمة الكذب والزور، أمة الغش والرياء". (انظر التليلي العجيلي: صدى الجامعة الإسلامية في المغرب العربي ص 249).

لقد اغتنمنا فرصة وجودنا في ميلة فزرنا "أول بيت وُضع للناس" في الجزائر، وهو مسجد المجاهد الشهيد الداعية أبي المهاجر دينار، وهو في أسوإ حال.. لقد استقبلتنا ميلة بموجة برد كاد يجمّد الدماء في عروقنا، ولم يخفف من تلك البرودة إلا الدفء الذي غمرنا به أهلها والمسؤولون الذين أحسنوا قادتنا واستقبالنا، مجددين الدعوة لزيارة ميلة والمدن التابعة لها، ومعالمها الهامة كسد بني هارون الكبير، الذي تتزود منه حوالي سبع ولايات... 

وأودُّ في الأخير إلى أن أنبِّه إلى أن ميلاد الشيخ مبارك كان في "بلدية غبالة – دائرة السطارة، ولاية جيجل" ونُسب إلى مدينة "الميلية"، التابعة لولاية جيجل، ولكن الناس يظنون نسبته إلى "ميلة" التي آواه أحدُ أبنائها وهو السيد مصطفى بوالصوف، وأنفق عليه في تعلُّمه، و"دفع مالا لأحد الشبان لتأدية الخدمة العسكرية مكان الشاب مبارك الذي استدعِي لأدائها عام 1916". (علي ابن الطاهر.. الشيخ مبارك الميلي.. ص 29). 

وأذكر أن صاحبنا في الرحلة هو الأستاذ غازي بوشامة الذي "لاعب فيه إلا المروءة والإحسان بالبدر". كما يقول الأمير المجاهد الشاعر عبد القادر، فجزاه الله على وضعه سيارته المريحة تحت تصرفنا.

  • print