عذاب القبر.. بين المهوّلين والمنكرين

date 2017/02/17 views 3444 comments 0

لا أحد ينكر أنّ بعض الدّعاة، مع انطلاق قطار الصحوة الإسلاميّة في السّنوات والعقود الماضية، قد توسّعوا كثيرا في الحديث والكتابة عن عذاب القبر، وقد لقيت تسجيلاتهم وكتاباتهم رواجا كبيرا في الأوساط العامّة وفي كلّ الدول الإسلاميّة، وكان لها أثر كبير في توبة كثير من الشّباب والفتيات، وهو ما لم يرق للعلمانيين الذين شنوا ولا يزالون يشنّون حملات مركّزة على مثل هذه الكتابات والتّسجيلات التي يقولون إنّها تخوّف الشّباب وتنشر بينهم اليأس وتحول بينهم وبين أن يعيشوا شبابهم ويستمتعوا بحياتهم!، بل إنّ بعض هؤلاء المتعلمنين قد تنادوا لمنع الكتب التي تتحدّث عن حياة البرزخ وأهوال القيامة!.

لقد توسّع بعض الدّعاة حقيقة في الحديث عن عذاب القبر، ووصل بعضهم إلى حدّ المبالغة، وإلى حدّ يُخيّل فيه لمن يسمع كلامهم أو يقرأ كتاباتهم أنّ القبر هو محلّ للعذاب ولا نعيم فيه، وكان الأولى أن يكون الحديث عن حياة البرزخ متوازنا، يتضمن التفريق بين حال الكافرين والمتمرّدين، وحال المؤمنين والمتقين، بين حال من يكون قبره روضة من رياض الجنّة، وبين من يكون قبره حفرة من حفر النار.. 

لكنّه ومهما كان تقصير بعض الدّعاة في هذا الجانب، فإنّه لا يبرّر بحال من الأحوال الحملة التي يشنّها العلمانيون على كتب الوعظ التي تتحدّث عن حياة البرزخ وعن يوم القيامة، لأنّ أعظم كتاب في الوجود، كتاب الله جلّ وعلا، لا تكاد تخلو سورة من سوره من حديث عن الدّار الآخرة، ولو تمّ الإذعان لمطالب العلمانيين بمنع الكتب والمنشورات التي يرون أنّها تنشر اليأس والإحباط بين الشّباب، لربّما تمادى بعضهم إلى المطالبة بوقف طباعة واستيراد المصحف الشّريف على اعتبار أنّه يحتوي آيات تخوّف من الموت والدّار الآخرة!. 

كما أنّ توسّع بعض الدّعاة في الحديث عن عذاب القبر، لا يبرّر بحال من الأحوال صنيع بعض الدّعاة الجدد الذين يسعون في إرضاء العلمانيين واللادينيين بإنكار عذاب القبر جملة وتفصيلا، ولو أدّى بهم الأمر إلى تأويل النّصوص القرآنية التي تتحدّث عن حياة البرزخ تأويلات متعسّفة، وإلى ردّ الأحاديث الصّحيحة الصّريحة التي تدلّ دلالة واضحة على أنّ في القبر نعيما وعذابا. في مقابل استدلالهم بنصوص يحملونها على غير محاملها ويتكلّفون في تطويعها لخدمة دعواهم في إنكار عذاب القبر. 

نعيم القبر وعذابه من الحقائق التي اتّفقت عليها طوائف المسلمين، ولم يخالف فيها سوى بعض الخوارج والمعتزلة، والأدلّة عليهما متوافرة وصريحة، منها قول الله تبارك وتعالى عن فرعون وزبانيته: ((النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب))، ومنها أيضا حديث ابن عبّاس – رضي الله عنه - في الصّحيحين، قال: مرّ النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم – بقبرين فقال: "إنّهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأمّا الآخر فكان يمشي بالنّميمة"، ثمّ أخد جريدة رطبة فشقّها نصفين ففرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: "لعلّه يخفّف عنهما ما لم ييبسا".

هذه النّصوص وغيرها كثير، تدلّ دلالة واضحة على أنّ البرزخ محلّ لحياة تختلف طبيعتها بحسب حال الإنسان في هذه الدّنيا، وهذه الحياة هي من الغيب التي لا مجال للعقل فيه، ولا يستطيع إنكاره إلا مكابرة وجحودا، وكيف يمكن لعاقل أن يستحيل نعيم القبر وعذابهّ، وهو يرى كيف أنّ النّائم يمكن أن يمتّع في منامه بالأحلام الجميلة، وربّما يرى نفسه في منامه يسافر إلى أماكن لم يرها من قبل، وربّما يرى نفسه يأكل ألذّ الأطعمة، كما أنّه ربّما يرى كوابيس مزعجة ويحسّ وهو نائم بعذاب أليم، يجعله يستيقظ مذعورا، ويخشى أن يرجع إلى نومه.. يجد النّائم نعيما أو عذابا يحسّه ويتفاعل معه، لكنّ المستيقظ الذي بجانبه ربّما لا يرى على النّائم آثار ما يحلم به، وهكذا الحياة في البرزخ، نعيم وعذاب، لا يدركه الأحياء ولا يحسّون به. 

  • print