القراءة مُتْعة وحياة.. الكتابة موت

date 2017/03/10 views 959 comments 6

تغمرني فرحة عارمة حين أُطالع كتابا أو نصا جذَّابا.. أحسُّ بمتعة خاصة تفوق كلّ المُتع الأخرى.. أتكون القراءةُ بهذا المعنى هي بداية كل شيء، فنحن نستمتع بكل ما في الحياة عبر قراءة مسبّقة؟.. ألا يقودنا هذا إلى المعرفة من حيث هي زينة الوجود والحياة؟.

لا تشكل القراءة إذًا، وعلى النحو السابق، افتخارًا بالمنتَج أو المنجَز سواء أكان فرديًّا أم جماعيا، عملا فوضويًّا أم مؤسَّسِيًّا منظمًا؛ أم كان ادَّعاءات أمّة وزيف أباطيلها أم قناعات بحقائق التغيير.. إنها  ـ القراءةـ  غوص في عَوالِم الآخرين إلى درجة الغَرَق أحيانًا، وما يتبع ذلك من تَشكُّل جديد، بعيدا عن جاذبية الأساطير والخرافات ـ رغم متعتها الظاهرة والخفيةـ يصل إلى درجة القول: ها أنا بعد القراءة تَحَوَّلتُ إلى إنسان آخر. لكن ألا يتطلب هذا وعيا بالنص المقروء، الحدث المقروء، الفعل المقروء، الزمن المقروء، المكان، العلاقات، التاريخ، القيم، السياسة.. إلخ؟.

لاشك أن الوعي مبتغى، لكنه لا يأتي ضمن خطة مرسومة، فحواها: أنا أُطالع هذا الكتاب لأصبح واعيا، ومَا يُروَّجُ مِن مقولات متعلقة بالوعي من خلال القراءة والمطالعة عبر المؤسسات الرسمية، بما فيها المدارس والجامعات وكل المؤسسات التعليمية، ليس صحيحا في زمان ولادة القول حتى لو كان خطابا دينيا أو سياسيا مؤثِّرا، أو تصورا مستندا إلى حقائق آتية من تجارب محليَّة أو عالمية، من الماضي السحيق أو الحاضر الطاغي، لكنه صحيح من ناحية إمكانية تحقُّقه في المستقبل المنظور.

الكتابة إذن هي: نحن والآخرون الغائبون والحاضرون وأولئك الذين ما يزالون في رحم الغيب، أما القراءة فإنها حاضرٌ نتفاعل معه، ونمارسه في كل لحظة بوعي أو من دونه.. تتعدَّد وتتنوَّع، وهي رهينة بحياة كل واحد منا.. وبموته تنتهي قراءاته اليوم، وتبقى كتابته إن كانت له كتابة في حياته. 

المعنى السابق يقودنا إلى النظر إلى الوعي من ناحية التراكم المعرفي، وهذا لا يأتي إلا من خلال مواصلة القراءة بمعناها الشامل، وهي هنا لا تقتصر على النصوص المكتوبة، وإنما تتعدَّاها، إلى قراءة كل ما في الوجود، انطلاقا من رؤية الأقدمين ـ ممن سبقونا بالإيمان ـ  القائلة: (إن هناك كتابين في الوجود، الأول، هو: الكون بكل ما فيه من مخلوقات حيَّة أو ميِّتة وجامعة، ما علمنا منها وما جهلنا، والكتاب الثاني، هو: القرآن من حيث إنه النهاية الجامعة لما سبقه من كتب وصحف أولى، صحف إبراهيم وموسى).

قد لا تكون تلك الرؤيةُ ذاتَ معنى بالنسبة إلى التطور الراهن في مجالات العلوم المختلفة، حيث زَهْوُ البشرية بلغ ذروته نتيجة ما تحقق من تطور غيَّر كثيرا من نمط العلاقات بين البشر، وحيث الانتفاع بما يتحقق من مكتسبات في مجال العلوم والتكنولوجيا وخاصة وسائل الاتصالات، لكنها تمثل قاعدة انطلاق للفكر البشري، بل إنها مسارُ حياة لابدَّ منه، إذا ما نظرنا إلى القراءة من زاوية شمولية على النحو الذي ذكرته في البداية.

لنتدرَّج بوعي إلى محاولة فهم أوسع لأجل توضيح معنى القراءة، مستعينين في ذلك بما ذكره الكاتب ألبرتو مانغويل في كتابه الشهير"تاريخ القراءة"، ترجمة سامي شمعون، لربط ذلك بفاعلية القارئ من حيث إنه يشكل القضية الأساسية في موضوع القراءة، حيث يقول: ".. إن القارئ هو الذي يفسِّر المعنى المقصود بالعلامات، إن القارئ هو الذي يتعرَّف في موضوع ما أو مكان ما أو حادث ما على القابلية المحتملة للقراءة، والقارئ أيضا هو الشخص الذي يستطيع أن يعطي معاني لمنظومة من العلامات من أجل فكِّ رمزها فيما بعد. جميعُنا يقرأ نفسَه والعالمَ المحيط به من أجل أن ندرك مَن نحن وأين نحن موجودون.. إننا نقرأ لكي نفهم، من أجل التوصُّل إلى الفهم، إننا لا نستطيع فعل أيِّ أمر مغاير. القراءة مثل التنفس، إنها وظيفة حياتية أساسيَّة"( ص 18).

تأسيسا على قول مانغويل، فإن جميع الناس وفي كل مكان وزمان يقرؤون، وحيث يوجدون تكون معهم القراءة.. إنها رديف دائم، والاختلاف بينهم في ماهية الموضوع، ومستوى الإدراك والفهم، ونتائج تلك القراءة من حيث تفاعلها مع الواقع وجدواها، والأكثر من ذلك مستوى الفاعلية لديهم، وهي ذات صلة بتدبُّر العقول ونورانية وبصيرة القلوب التي في الصدور من جهة، أو تلك الأخرى التي غالبا ما يكون بها مرضٌ أو عليها أقفالُها، إلى درجة أنها تكون أحيانا أقسى من الحجارة، وأقلَّ خشية من الجبل المتصدِّع من خشية الله سبحانه وتعالى، من جهةٍ ثانية.

من هنا، فإن الدعوات المستمرَّة إلى القراءة في الدول العربية، والمقتصِرة على مطالعة الكتب، وهي في الغالب ذات طابع فلكلوري ومناسباتي، لا تحقق نتائج تذكر، لسببين، الأول: تركيزها على الكمّ وليس الكيف، حتى إن مسابقاتنا تقوم على فكرة ذِكر الأعداد، وليس مهما ما يُفهم من القراءة، والثاني: أن معنى القراءة ومجالاتها وتبعاتها منصبَّة بالأساس على مطالعة النصوص، ما يعني إلغاء ـ من غير قصدـ القراءات المختلفة التي تأتي من التدبُّر أو التذكُّر أو التفاعل، أو من جروحنا بالنهار، ومعاصينا بالليل.

إننا نسير اليوم في المجتمعات العربية على خطى الحضارات القائمة على الكتابة وليس القراءة، ويبدو هذا في ظاهره عملا صالحا وخيرا ومثمرا، لكن حقيقة الأمر غير ذلك، إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية ميراث النبوَّة والحكمة، ذلك لأن الكتابة هي تجسيدٌ للقراءات عبر الرمز.. إنها محاولة لحفظها في سجلِّ التاريخ حتى لا تضيع في عمر الزمن، وهي إما خطابٌ حاضر يمكن العودة إليه كلما احتجنا إلى ذلك، أو خطاب مستقبلي لمن سيأتون بعدنا إلى أن تقوم الساعة.. الكتابة إذن هي: نحن والآخرون الغائبون والحاضرون وأولئك الذين ما يزالون في رحم الغيب، أما القراءة فإنها حاضرٌ نتفاعل معه، ونمارسه في كل لحظة بوعي أو من دونه.. تتعدَّد وتتنوَّع، وهي رهينة بحياة كل واحد منا.. وبموته تنتهي قراءاته اليوم، وتبقى كتابته إن كانت له كتابة في حياته.

  • print