قوة القرآن وسلطان الكُتَّاب

date 2017/03/20 views 1781 comments 8

في الجدل القائم هذه الأيام حول المدارس القرآنية وعلاقتها بالتعليم العام، أشارت السيد مليكة "قريفو" في مداخلة إعلامية متعلقة بالموضوع إلى التفريق بين الكُتَّاب والمدرسة القرآنية، قبل التفريق بين التعليم العام المدرسة القرآنية، وبينه وبين الكتاب، وهي فكرة جديرة بالموقوف عندها، لاستجلاء أصول الصراع بين توجهات صناع المنظومة التربوية في بلادنا، في هذا الجو المشحون بفرض "بالتاغنانت السلطوي".

إن نظام التعليم العام، ويشمل التربية والتعليم والتكوين بجميع مراحله، فهو من مهام السلطة بقطاعاتها المختلفة، وهي المسؤولة على إقامته على أسس المجتمع وغاياته المادية والمعنوية؛ لأنه متعلق بالمنظومة التربوية الوطنية ككل، التي لها علاقة مباشرة بالنظام الإجتماعي العام بجميع أبعاده السياسية والثقافية والتربوية والاقتصادية، والنقاش حول هذا النظام التعليمي بين المؤسسات الرسمية والشعبية، إنما هو حول محتوى التعليم ومضامينه، هل هو نظام تعليمي تكويني يلبي حاجة المجتمع؟ وما تقدمه المؤسسة الرسمية، من تعليمات وأوامر وقرارات، هل هو استجابة لحاجة اجتماعية تفرضها تحولات المجتمع؟ أم حاجة علمية تفرض علينا اللحاق بالركب الحضاري؟ أم هي أيديولوجيات وميولات وقناعات وأهواء شخصية لهذا الوزير أو ذاك أو هذه الفئة أو تلك؟ يراد فرضها بسياسة الأمر الواقع.

وما يقال في منظومة التعليم العام، يقال أيضا في التعليم الديني، الذي هو مطلب شعبي ملح لارتباطه بدين المجتمع وقيمه وثقافته الأصيلة، وقد كان في سنوات الستينيات والسبعينيات، يسير جنبا إلى جنب مع التعليم العام، إذ بادر بتأسيسه، في جو إداري بدا عليه التنكر لأصول المجتمع الدينية والثقافية، رجل من بقايا جمعية العلماء وهو الشيخ عمر دردور رحمه الله سنة 1963 في باتنة، ثم انتشر في باقي ولايات الوطن، واستمر يخرج الكفاءات المتنوعة في الكثير من مجالات العلوم الإنسانية، وليس العلوم الشرعية وحدها، ولكن خصوم التعليم الديني أبطلوه بحجة القضاء على ازدواجية التعليم والعمل على توحيده، وذلك في عهد مصطفى لشرف سنة 1978 الذي كان وزيرا للتربية يومها، فوحدوا أقسام التعليم وأهملوا التعليم الديني، إلا ما كان من مبادرات معاهد تخريج الأئمة التي كانت تنشئها وزارة الشؤون الدينية، ولم يهتم بالموضوع إلا فترة متأخرة نسبيا، عندما كانت مبادرة شعبة العلوم الإسلامية، بضغط من الطلب الشعبي المتزايد، وللحد من السفر إلى الخارج، باستقلال تام عن الأطر الرسمية، لتلقي العلوم الشرعية، والمتابع لمجال التعليم الديني يجد أن الكثير من مؤطري التعليم الشرعي، من خرجي السعودية ودمشق والأزهر.. ولكن سرعان ما عطلت هذه الشعبة أيضا في إطار إصلاحات المنظومة التربوية بطبعتها الجديدة التي شرع فيها ابتداء من سنة 1992 عندما قررت توجهات السلطة أن المدرسة الجزائرية منكوبة.   

لا شك أن المنظومات التربوية الوطنية في العالم الإسلامي تتعرض لضغوطات كبيرة لتحيينها ومتطلبات العولمة، وتجريدها من خصوصياتها الثقافية والدينية، ولكن ما يؤسف له أن مسؤولينا بدلا من أن يتعاملوا مع هذا التوجه الدولي الاستعماري بروح استقلالية شريفة، مستعينين بنخبهم محتمين بشعوبهم، هرولوا مسرعين إلى تطبيقات ربما لم تطلب منهم؛ بل إن بعضهم كان في نفسه شيء من توجهات المجتمع التي لا ترضيه، فوجد الفرصة مواتية، وأسرع إلى فعل ما لا يمكن فعله في الاوضاع العادية...، كما فعلوا في جميع ما فرضوا من "إسلاخات" ابتداء من خطاب محمد بوضياف رحمه الله، وتلفظه بتلك الكلمته المقحمة في خطابه السياسي الذي مد فيه يده للجميع على حد قوله، والتي قال فيها إن "المدرسة الجزائرية منكوبة"، قضى على نفسه وكشف ما كانوا يدبرون، ومن يومها وعملية الإصلاح التربوي سائرة في اتجاه واحد، لا هم له إلا تجريد المجتمع الجزائري من خصوصياته، بحجة التحديث حينا، وتخليص المدرسة الجزائرية من "الإسلاماويين".

وتمرير مثل هذه المشاريع الضاغطة، يتطلب إحداث أزمات متتالية، وصناعة أوهام مكثفة بصياغات متنوعة مغلفة بكل ما تشتهي الأنفس من العبارات "المزوقة"، كل ذلك لتمرير المشاريع بسلاسة... فمشروع وزارة التربية منذ ذلك الزمن وإلى اليوم مستمر على نفس النسق والوجهة، ولكنه مشروع يقدم في جرعات وعلى فترات متباعدة نسبيا، بسبب ما يوجد من مقاومة من داخل الإدارة وخارجها.. وفي ذلك تستباح جميع الوسائل  المشروعة وغير المشروعة ومنها إبطال أمرية 1976 المؤسسة للمدرسة الجزائرية، والتعليم الأساسي، بما دونها من الإجراءات؟

ومن الفقاعات المقرر إثارتها في الموضوع، موضوع الكتاتيب القرآنية، التي لا علاقة لها بالمدرسة ولا بمنظومة التعليم ولا حتى بالسلطة والمؤسسات الرسمية..، والخلط بينه وبين المدارس القرآنية.. يراد به خلط أوراقه بموضوع رياض الأطفال..، فتدخل الأمة في عراك لا طائل من ورائه ولا معنى لوجوده، ومن ثم يتم الوصول إلى عرقلة هذا القطاع الذي ظل خارج اللعبة التي يراد لها أن تخضع لمعايير منظومة أجيال مصطفى لشرف وبن زاغو وبن غبريط وغيرهم ممن كان ولا يزال على مذهبهم.  

فالكتاتيب كانت ولا تزال على عاتق الشعب، سواء بواسطة معلمي القرآن في المساجد، التي هي أيضا لا فضل للسلطة فيها؛ لأنها من إنشاء الشعب أيضا، أو بواسطة الجمعيات الخيرية والثقافية في الأحياء والمداشر، ومن الغرائب الملاحظة على البدو الرحل أنهم من بينما يعدونه في حلهم وترحالهم اللوح الذي يكتب فيه الأطفال مقاطع القرآن التي يراد حفظها؛ لأن تحفيظ القرآن للأطفال في عرف المجتمع الجزائري من مكونات شخصية الطفل، ولا علاقة له بالمنظومة التعليمية التربوية التي تريدها السلطة، ولذلك نجد أن الأسر يحرصون على تحفيظ الأطفال القرآن في العطل الصيفية وفي أوقات ما بعد المدرسة، وفي داخل البيت، حيث يوجد الكثير من الأطفال يحفون القرآن عن والديهم آباء وأمهات، ومن عادات المجتمع أيضا أن يحفظ الأطفال القرآن الكريم أو قسما منه في سن مبكرة جدا في السادسة والثامنة والعاشرة من العمر.

على  أن الاهتمام بتحفيظ القرآن للأطفال عند المسلمين عموما، هو بمثابة تعريفهم بقسم آخر من الكون لا ينبغي أن يجهلوه؛ لأنه كلام الله والكون من صنع الله، وبما أن علاقة الإنسان بعقيدة التوحيد، لا تكتمل إلا بالتناغم الكامل بين كلام الله ومصنوعاته. فالذي ينظر إلى الكون على أنه من صنع الله، لا يسعه إلا الحرص على حفظ كلام الله والعمل به، وربما أن هذه الفكرة ليست بهذا الوضوح في أذهان عوام الناس، ولكنها مخزونة في ضميرهم الجمعي بهذا المعنى.

فالشائع بين الناس أن حفظ القرآن عادة أكثر منه شيئا آخر، ولكن الحقيقة ليست كذلك لأن ارتباط القرآن بالمعتقد الديني وعلاقته بثقافة المسلمين وحضارتهم هي السر في هذا الحرص على تلقينه للتلاميذ في سن مبكرة، إذ يوجد من بين الأطفال من يحفظه عن ظهر قلب في السن الثامنة والعاشرة والثانية عشر كما أسلفنا، أي قبل بلوغ الطفل سن القدرة على التجريد التي هي سن الثاني عشرة عند عالم التربية "جون بياجه"، وهذه العادة ليست في الجزائر وحدها، وإنما هو في كل  العالم الإسلامي.

فالعلاقة العضوية الكتاتيب والمدارس مقطوعة، لأن عملية المسخ الحضاري الذي تعرض له المجتمع الإسلامي، كان ولا يزال بسبب تحكم المبهورين بثقافة الغرب في المناهج التعليمية والتربوية، بينما الكتاتيب على خلاف ذلك فهي تمثل الحاضنة لخصوصيات الأمة الحضارية الثقافية الدينية، ورغم الجهد المبذول في عملية المسخ هذه التي دامت عقودا من الزمن، لم تستطع هذه العملية التأثير الكامل على المجتمع الإسلامي، لأن العقبة الكبرى هي القرآن الكريم.

فهل البرنامج هذه المرة يريد النفاذ إلى الكتَّاب ليلحقه بمشروع المسخ وإتمامه؟ لا ندري، إذ رغم أن كلمة معالي وزير الشؤون الدينية  والأوقاف مطمئنة؛ لأنه قال إن التعليم القرآني وقف والوقف لما وقف له شرعا وقانونا...، فإن الجهات التي فرضت على علماء سلاطين الفساد في العالم شطب آيات الجهاد من القرآن –على الأقل بعدم تلاوتها فيالصلوات- لا تزال قائمة وتعمل بكل جدية.

ولكن يسلي المسلمين في بلادنا -الجزائر- على الأقل، أنه يحكى في الفترة الإستعمارية أن فرنسا قامت "في ماي 1943 أي بعد 113 عاما من الاحتلال، بتجربة علمية من أجل القضاء على الروح  الإسلامية في نفوس الشباب الجزائري فتم انتقاء عشر جزائريات مسلمات وأدخلتهن إلى مدارس فرنسية وألبستهن ألبسة فرنسية وعلمن التقاليد الفرنسية حتى يصبحن كالفرنسيات تماما وبعد 11 عاما من تلك الجهود الإستعمارية نظم حفل تخرج كبير، دعي إليه الوزراء والصحافيون والمفكرون ليروا نتيجة التجربة! عشر فتيات جزائريات.. وإحدى عشر عاما من الجهود..، ولكن المفاجأة كانت صادمة..؛ لأن الفتيات دخلن جميعا مرتديات الحجاب واللباس الجزائري "الحايك"! فهاجت القاعة بالغضب والضجيج، وهرول الصحفيون إلى “لاكوست” وزير المستعمرات، ليسأله أحدهم: مسيو لاكوست.. إذا كانت هذه هي التجربة، ماذا كانت تفعل طيلة أكثر من قرن!!؟ فأجاب لاكوست: ماذا أفعل إذا كان “القرآن” أقوى من فرنسا" [http://marsadz.com/2017/02/23 يتصرف] 

  • print