ما لكم والكتاتيب؟

date 2017/03/20 views 3872 comments 11
جمال ناصر

يبدو أن وزير الشؤون الدينية ووزيرة التربية قد أنهيا حل كل مشاكل قطاعيهما ولم يبق لهما من مشكل إلا التضييق ومراقبة الكتاتيب والمدارس القرآنية.

أما وزارة التربية فلا داعي للحديث عن مشاكل قطاعها، فالمدرسة الجزائرية اليوم في أسوأ أيامها من مخرَجات وفوضى وتسيُّب وعنف وتخبُّط في القرارات يحتاج وديانا من الحبر لوصفه. وبدل أن تهتم الوزيرة بمحاولة إيجاد حلول لبعض هذه المشاكل راحت تبحث عن علاقة الكتاتيب بالمدارس التحضيرية، وكأن الوزارة أصلا قادرة على استيعاب كل التلاميذ  في سنِّ التحضيري، ولا تعلم أن هذه الكتاتيب والأقسام التحضيرية الخاصة هي التي تقيهم شرَّ كشف عورتهم وعجزهم عن توفير أقسام تحضيرية للأطفال. أم أن سبب احتلال المدرسة الجزائرية المراتب الأخيرة عالميا في تصنيفPISA   الأخير يعود إلى هذه المدارس القرآنية؟   

أما وزارة الشؤون الدينية فيبدو أنها بدل أن تشجِّع تعليم القرآن وتثمِّن كل جهود فردية أو جمعوية في هذا الاتجاه، راحت تسلك سلوكا استحت حتى فرنسا المستعمِرة من الجهر به في كثير من الأحيان؛ فوزير الشؤون الدينية عندما سُئِل عن قرار وزير التجارة بتحرير بيع الخمور أجاب بأن هذا يخص قطاعا آخر غير قطاعه وهو لا يتدخل في عمل وزارة أخرى، ولكنه الآن يسارع إلى مراسلة كل مديريات الشؤون الدينية عبر الوطن  نيابة عن وزارة التربية (قطاع آخر) ويستنفرها لإحصاء ومراقبة الكتاتيب التي تعلِّم القرآن لأن بعضها، حسب مراسلة الوزارة، يمارس الأدوار التي تؤدِّيها المدارس التحضيرية غير ملتزمين بالمنهاج الرسمي المُعَدّ من وزارة التربية، وأيضا معرفة ما إذا كان المعلمون متطوعين أم يتقاضون أجرة؟

الأسئلة التي نودّ توجيهها إلى السيد وزيرة الشؤون الدينية ومن ورائه وزيرة التربية هي الآتية:

- هل الكتاتيب أو مدارس تحفيظ القرآن التي تقدِّم تعليما تحضيريا بالإضافة إلى  تعليم القرآن بهذه الكثرة والخطورة بحيث تستحق حالة الاستنفار هذه؟

- هل المدارس القرآنية هي التي تخرِّج لنا المجرمين واللصوص وشذاذ الآفاق؟ أم هي التي تخرِّج لنا خيرة الشباب والشابات أخلاقا وعلما وتشريفا للجزائر في المحافل الدولية؟

إن الكتاتيب طالما كانت صمام أمان للمجتمع وهذه البلاد، ولهذا بذلت فرنسا كل جهدها من أجل التضييق وغلق هذه الكتاتيب ومحاربة اللغة العربية والإسلام، وشجَّعت إسلام الخرافات والدروشة وعبادة القبور إلى أن أعاد بن باديس وجمعية العلماء الدور الحقيقي لهذه المدارس والكتاتيب.

- هل تشهد مدارس تعليم القرآن الحرة والتابعة لجمعية العلماء أو لغيرها من الزوايا حالة التسيُّب والفوضى والعنف التي تشهدها المدرسة الجزائرية؟ ألم يكن الأجدر أن تسألوا أنفسكم: لماذا تلاميذ هذه الكتاتيب والمدارس منضبطون وعلى خُلق وتدرُسوا التجربة لعلّكم تستلهمون حلولا لما يحدث في مدارسنا العمومية على الرغم من فارق الإمكانيات المهول؟.

- هل باستطاعة وزارة التربية توفير أقسام لكل الأطفال في سن التحضيري وهي عاجزة حتى عن توفير أقسام للتعليم الإجباري؟ فمعظم المدارس في كل المستويات تعاني الاكتظاظ ويصل فيها عدد التلاميذ إلى 45 تلميذا ويقطع كثيرٌ من الأطفال كيلومترات من أجل الوصول إليها.

- ألا تعلم وزارة الشئون الدينية -وهي تعلم بالتأكيد- أن هذه الكتاتيب والمدارس القرآنية فُتحت بأموال المحسنين، وأن الأجرة التي يتقاضاها معلمو القرآن لا تكاد تكفيهم قوت يومهم، وأنها مدارس غير ربحية؟ إن وُجدت كتاتيب لتحفيظ القرآن ربحية فنحن أول من يطالبكم بغلقها!.

- هل سأل الوزير نفسه: ما هو الدَّعم المادِّي الذي تقدِّمه وزارته لهذه المدارس والكتاتيب؟ ومن أين يُدفع إيجارُ هذه الكتاتيب والمدارس؟ ومن أين تأتي أجور بعض المعلمين (ليسوا كلهم فكثير منهم متطوعون) وهم يقضون الساعات والساعات يوميا لتعليم الأطفال القرآن؟ أليس من حقهم أن يتقاضوا أجرة مقابل تعليمهم؟ أم يُفترض فيهم أن يكونوا مستوِّلين؟ بل هل سألت الوزارة نفسها سؤالا أبسط: من يبني المساجد في الجزائر؟ ومن يسهر على نظافتها وتأمين كل شيء فيها؟ هل هي وزارة الشؤون الدينية التي تضع يدها على المساجد؟ أم الشعب والمحسنون هم من يتبرّعون بالأراضي ويتكفلون بالبناء والإدارة والسَّهر عليها؟  أم أن دور وزارة الشؤون الدينية والأوقاف يقتصر على تحديد ما يجب أن يقوله الإمام في خطبته؟ المؤكد أنه لو ألغِيت وزارة الشؤون الدينية تماما فإن المساجد ستستمرّ في أداء وظيفتها وربما أفضل مما هي عليه الآن.

- لماذا لا تهتمّ وزارة الشؤون الدينية بما يحدث في كثير من الزوايا (وليس كل الزوايا) والتي يتمُّ فيها نشرُ الخرافات والدروشة واستغلال البسطاء من الناس ونهب أموالهم بحجة "أولياء الله الصالحين" وغيرها من الخرافات التي حوّلت كثيرا من شيوخ هذه الزوايا إلى أثرياء يعيشون عيشة الملوك من دون أن يقوموا بشيء لصالح البلاد والعباد؟

- هل قضت الوزارة والحكومة على بؤر الإجرام ونقاط بيع الخمور غير المرخَّصة وتجارة المخدِّرات التي دخلت بيوت الجزائريين وأصبحت تهدِّد سلامة الناس وتتسبَّب يوميا في مئات من حوادث المرور وجرائم العنف والقتل في الشارع والثانويات بل حتى المدارس؟ فهل قضت على كلِّ هذه المظاهر واستنفرت بقيَّة القطاعات وأجهزة الأمن حتى تتفرغ لكتاتيب تحفيظ القرآن التي أصبحت -حسب الوزير- تمثل "خطرا" لأنها تمارس بعض مهام المرحلة التحضيرية؟

من العار أن نرى جزائر الاستقلال اليوم تضيِّق على هذه الكتاتيب وتحصيها وتعدُّها عدًّا وتسارع إلى غلق بعضها بحجج واهية وهي تقف عاجزة أمام مدارس خاصة ودور حضانة تدرِّس منهاجا تربويا لا يمتُّ بصلة للمنهاج الرسمي ولا لثقافتنا ولا لهويتنا.

وإذا افترضنا أن بعض المدارس القرآنية تقدِّم برنامجا تحضيريا للمدرسة، فهل يتكرَّم الوزير ويخبرنا أين هو "الخطر" في هذا حتى يكون الشعب على بيِّنة؟ ألا يمثل هذا تدخُّلا في حق أولياء الأمور في تعليم أبنائهم القرآن الكريم والأخلاق واللغة العربية قبل سن التعليم الإجباري؟

- هل استنفرت وزارة التربية مديرياتها وجهاتٍ أخرى حتى تراقب دور الحضانة والمدارس الخاصَّة المنتشرة بشكل خاص في العاصمة وبعض المدن الكبرى والتي تدرِّس المقرر الفرنسي والثقافة الفرنسية وتعلِّمهم التاريخ من وجهة نظر فرنسية وتعلم النشء أن المجاهدين كانوا "فلاقة"؟ أبدا!... بل هناك ضوءٌ أخضر منحته الوزارة بالسماح لهذه المدارس بأن تدرِّس البرامج الفرنسية وبوثيقةٍ وقرار رسمي. زد على ذلك أن  الأغلبية الساحقة، إن لم يكن كل هذه المدارس الخاصَّة، لا تستجيب لدفتر الشروط الذي يتمُّ فرضُه الآن على المدارس الخاصة ولا تتوفر فيها أبسط شروط التمدرس، فهي عبارة عن فيلات أو شقق... أليس الأولى أن يتم تطبيق القانون على هذه المدارس ومطالبتها بالاستجابة لدفتر الشروط بدل إحصاء كتاتيب تعليم القرآن؟

إننا لا ندعو إلى الفوضى في تسيير المدارس القرآنية، ولكن لا يُعقل أن نرى هذا النفير والهجوم ومحاولة اصطناع صراع مع الكتاتيب من دون مبرر، في ظل وجود تسيُّبٍ تامٍّ في قطاعات أخرى ومنها قطاعا التربية والشؤون الدينية.

إن الكتاتيب ومدارس تعليم القرآن لطالما كانت صمام أمان للمجتمع وهذه البلاد، ولهذا بذلت فرنسا كل جهدها من أجل التضييق وغلق هذه الكتاتيب ومحاربة اللغة العربية والإسلام، وشجَّعت إسلام الخرافات والدروشة وعبادة القبور إلى أن أعاد بن باديس وجمعية العلماء الدور الحقيقي لهذه المدارس والكتاتيب. وستبقى هذه الكتاتيب وتعليم القرآن مَهمَّة يقوم بها الشعب ما دامت الدولة مقصِّرة في هذا الجانب، ولكن من العار أن نرى جزائر الاستقلال اليوم تضيِّق على هذه الكتاتيب وتحصيها وتعدُّها عدًّا وتسارع إلى غلق بعضها بحجج واهية وهي تقف عاجزة أمام مدارس خاصة ودور حضانة تدرِّس منهاجا تربويا لا يمتُّ بصلة للمنهاج الرسمي ولا لثقافتنا ولا لهويتنا، بل وتجعل 300 مدرسة عمومية تتبنَّى منهاج اليونسكو من دون استشارة الأولياء أو العودة إلى الشعب الذي يجهل أغلبُه ماذا تعني هذه المدارس؟! 

إن تعليم القرآن لا يحتاج إلى رخصة في دولةٍ نصَّ دستورُها أن دينها الإسلام، بينما في هذا البلد أيضا يُرخَّص لبيع الخمور وتُفتح كل أبواب الموبقات والفساد الأخلاقي ومصادر العنف والإجرام تحت شعار "الحرية" ثم نتباكى على غياب الأمن. 

 إن هذا الشعب سيواصل تعليم القرآن في المساجد والكتاتيب وإذا ضاقت الكتاتيب ففي البيوت والجبال والأحراش والوديان. ولكننا نخشى أن مثل  هذه التصرُّفات والرُّعونة في القرارات والجهر بمحاربة عناصر هويتنا بحججٍ واهية ومفضوحة  سيستفزُّ قطاعاتٍ عريضة من الشعب وقد يدفع بهذا الوطن إلى منزلقات لا تُحمد عقباها من انقسام مجتمعي وصراعات إيديولوجية نحن في غنى عنها.

  • print