"الشروق" تعود إلى مغارة الرجل الذي تنتظر الحيوانات موته

"عمي عمار" مازال يرفض لقاء الناس ويُعايش الذئاب

date 2017/04/11 views 7510 comments 11
author-picture

icon-writer نسيم عليوة

بعد مرور سنة كاملة على عرض حالة عمي عمار طبي، الذي لجأ إلى إحدى المغارات ببلدية التلاغمة لاتخاذها مأوى له رفقة الذئاب والحيوانات، وقساوة الحياة التي يعيشها بداخلها، عادت "الشروق" إلى المكان الذي يعيش فيه عمي عمار بمرتفعات جبال ميلة، وذلك في إطار زيارة لتفقد أحوال رجل المغارة.

رغم أن المنطقة جبلية وتتميز بمسالك صخرية وعرة، يستحيل السير عليها، توجهنا رفقة أحد أقارب عمي عمار، الذي يتكفل يوميا بتوفير الأكل له كونه الشخص الوحيد الذي يثق فيه عمي عمار، فقد زار فريق من مديرية النشاط الاجتماعي الأشهر الماضية عمي عمار بالمنطقة لكنهم لم يتمكنوا من لقائه، كونه لا يثق في أحد ويمضي وقته في التجوال وسط غابة أشجار الصنوبر الحلبي الكثيفة ومحاولة صيد ما يسد به رمقه، خصوصا حينما يكون الطقس باردا ويشهد تساقطا غزيرا للأمطار، حيث يغيب عنه المحسنون بسبب صعوبة التضاريس بمنطقة جبل تيكونة، وبالضبط بالمكان المسمى البياتة بأعالي جبال بلدية التلاغمة، 50 كلم أقصى جنوب عاصمة الولاية ميلة.
قطعنا مسافة بسيارتنا على مسلك ترابي، غير أنها توقفت عن السير بفعل التضاريس الوعرة التي لا تزال على حالها، وكان يرافقنا الشاب عامر، وهو أحد أبناء المنطقة الخيرين الذين يثق فيهم عمي عمار، حيث أخذ على عاتقه مهمة مساعدته وإيصال بعض المواد الغذائية إليه رفقة بعض الشباب الذين يعرفونه ويهتمون به ويزورونه من حين إلى آخر، خوفا من هلاكه جوعا.

مواطن يعرض عليه الإقامة ببيته لكنه يرفض
عند وصولنا إلى مخدع رجل المغارة، وجدنا عمي عمار، البالغ من 65 سنة، وقد أنهكته متاعب حياة التشرد وبدا عليه التعب وإرهاق السنين، كان مستلقيا داخل مغارته تحت صخرة جبلية مفتوحة تشبه الكهف، يفترش الأرض ويغطي جسده النحيف ببقايا بطانية التصق بها التراب والوحل وتبللت بالمياه المتسربة من مسامات الصخور.
يجوب عمي عمار الغابة وهو حافي القدمين، ويحمل طعامه دائما في غطاء رأس قشابيته الرثة التي يلبسها هي فقط، وكانت رائحة كريهة تنبعث منها بفعل تحلل الطعام فيها.
سألنا عمي عمار: أتريد البقاء هنا أم تود العودة إلى المنزل؟ فأجاب بصوت غير مفهوم: أنا مريض ومتعب وأريد النوم فقط، فاتركوني أنام. وحسب مرافقينا، فقد زار عمي عمار رجل من المحسنين من ولاية برج بوعريرج عقب نشرنا تحقيقا حول وضعيته عبر صفحات "الشروق" منذ سنة، وأراد أن ينقله إلى منزله العائلي بولاية برج بوعريريج للتكفل به والعيش معه حتى آخر أيامه، لكن عمي عمار رفض الذهاب معه، وعندما أصر عليه رحل وفر وسط الغابة ولم يعد حتى ساعة متأخرة من النهار، وهو ما دفع بالرجل إلى الانسحاب مع بداية حلول الظلام خوفا على نفسه.
وقد ناشد أصدقاء عمي عمار الجهات الوصية التكفل بحالته من خلال نقله إلى دار العجزة على الأقل لحمايته من قساوة الطبيعة والتكفل بعلاجه من الأسقام التي يعانيها، خصوصا أنه لم يستحم منذ مدة طويلة جدا، علما أن عمي عمار له خمسة أشقاء ذكور وثلاث بنات، وقد غادر بيته منذ أكثر من 31 سنة، وبالتحديد عندما كان في العقد الثاني من العمر، حيث لم يظهر له خبر منذ ذلك التاريخ، وتم اكتشاف مكانه منذ 5 سنوات فقط من طرف أحد أقربائه بالجبل، حيث وجده يعيش داخل كهف. ومنذ ذالك الحين، أقربائه وشباب البلدة يتناوبون على نقل الطعام والغطاء إليه في وحشته، إلا أن المشكلة تكمن في أن عمي عمار لا يحب أن يرتدي ملابس أو استعمال أفرشة وأغطية، حيث يقوم برميها بعد أيام فقط من استعمالها ويعشق بالمقابل افتراش الأرض، مثلما وقفنا عليه في زيارتنا.

عمار غادر بيته ليلة زواجه
تبقى حالة عمي عمار صعبة للغاية وغريبة في الوقت ذاته، يقول أحد أقاربه إن هذه الحالة بدأت خلال حفل زواجه، منذ أكثر من 31 سنة، ففي ليلة الزفاف، وحينما أحضرت العروس إلى المنزل، غادر عمي عمار البيت ولم يظهر له أثر، إلى أن وصلت أخبار بعد سنوات تفيد بأنه يعيش داخل مقبرة تسمى بلخير عقون بأم البواقي، عندها توجه أهله إلى هناك وأعادوه إلى المنزل، لكن بعدها بأيام غادر واختار مغارة في جبل صخري عبارة عن كهف، ليكمل فيها حياته رفقة الخنازير والذئاب والضباع.. عند اقترابنا من مكانه صادفتنا خنازير وحيوانات مفترسة تجوب الغابة، سألنا عمي عمار إن كان تعرض لهجوماتها، فأجاب: أنا من يهاجمها، حيث يقوم بإشعال النار في الليل لإبعادها عنه وللتدفئة أيضا. والغريب في الأمر أن هذا الشخص يعيش في هذا الكهف منذ 31 سنة، ليلا ونهارا، شتاء وصيفا، لا شيء يحميه سوى لطف الله به في ظاهرة أغرب من الخيال.
ورغم قساوة معيشته وحياة التشرد التي يحياها عمي عمار، إلا أنه الآن بدت عليه علامات التعب والكبر، يحب شرب القهوة وتدخين السجائر بنهم، وعندما سألناه عن عمره، أجاب: عمري 20 سنة، ويقول بأن له أولادا وزوجة، وكأن الزمن توقف به في يوم زواجه حينما كان في عمره 20 سنة، وتابع حياته في الأحلام.
عمي عمار، لا يحب الاختلاط بالناس، وعندما ينزعج منهم يسارع بالفرار إلى الغابة، فهي متنفسه، سواء للترفيه أم للصيد، يأكل كل شيء ويجمع طعامه من القمامة التي ترمى بالمنطقة عندما يجوع، ويسير في تلك الجبال والصخور حافي القدمين، كما أنه لم يغير مكان إقامته بالمغارة منذ 31 سنة، الأمر الذي لم نجد له تفسيرا، علما أنها تقع في مكان مرتفع يطل على مدينة التلاغمة وحماماتها.
وفي الأخير، يبقى أمل أقارب عمي عمار في أن تتحرك السلطات المختصة لمساعدته، ونقله إلى المستشفى للعلاج وإرجاع كرامته وإنسانيته المهدورة، وهذا ما سيتحقق، حسب معلومات وصلتنا من مديرية النشاط الاجتماعي بميلة، تفيد بأنها ستقوم بالتكفل به هذا الأسبوع على أقصى تقدير، لأنه في مثل هذه الحال سيموت ولن يسمع به أحد، وربما سيكون وجبة مفضلة للحيوانات المفترسة في يوما ما لا قدر الله.

  • print