لمن تُزرع القواعد الأمريكية بالساحل؟

date 2017/04/12 views 2544 comments 18

بدل تخويف السلطة والطبقة السياسية للمواطنين بتبعات العزوف عن المشاركة في استحقاق انتخابي محدود الأفق والأثر، فإن البلد في حاجة إلى سلطة ونخبة سياسية مُلمَّة بالتحوُّلات الكبرى الجارية من حولنا، التي تعد بتهديدات مفتوحة وجدية على وجود الدول والشعوب عند من يتابع ويستشرف تبعات ما يجري الآن في سورية وصلته بما يُدبَّر في الخفاء للجارة ليبيا، وتطويق الجزائر بستِّ قواعد أمريكية بالدول المتاخمة للصحراء الكبرى.

العدوان الأمريكي الأخير على سورية خارج قرارات مجلس الأمن، أعادنا إلى بداية هذا القرن ولحظة التغوُّل الأمريكي بقيادة المحافظين الجدد. ولم يكن التدخل الروسي المبكر في النزاع الأهلي السوري أكثر شرعية مما قد يدعيه التحالف الدولي الذي يدك المدن العراقية الواحدة تلو الأخرى، ولا يختلف الدور الوظيفي الذي تلعبه إيران وأذرعها الطائفية في سورية عن الدور الذي سُمح به لها أثناء سقوط بغداد وبعده، وما كان للشعوب العربية أن تُخدع بالخطاب المذهبي الذي روَّجت له دولُ الخليج للتغطية عن دور وظيفي لا يقلُّ خطورة عما يُنسب إلى إيران، وقد نفاجَأ بعد حين بتكليف مصر ودول عربية أخرى بدور وظيفي مماثل في شمال إفريقيا يبدأ من الساحة الليبية خاصة بعد المقترح الأمريكي للحلفاء في الاجتماع الأخير لدول الـG7 بإيطاليا الذي عرض على الأوروبيين صيغة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول.
منذ بداية أحداث الربيع العربي، كان علينا أن نقرأ فيها النسخة المحدثة للمسار الذي قاد منذ قرن إلى تقسيم العالم العربي إلى أكثر من عشرين كياناً بعد إسقاط الخلافة العثمانية، مع دخول عامل جديد في الحسبان له صلة بالصراع الدائر بين الشرق والغرب على التحكم في مصادر الطاقة ومسالك توصيلها. وإذا لم تكن سورية بلدا نفطيا بامتياز فهي المنفذ الوحيد لمشروع قطري غربي عملاق كان يُراد له أن يحرِّر أوروبا من التبعية الطاقوية لروسيا، وهو ما يفسِّر استماتة الروس في الدفاع عن النظام السوري وكانوا هم والصينيون قد خذلوا من قبل الشعب الليبي.
طريق الحرير الطاقوي الآخر الذي يُعوَّل عليه لتحرير أوروبا من التبعية الروسية يمرُّ حتما بالجزائر، وقد بدأت معالجته في وقت مبكر بزرع عددٍ كبير من القواعد الأمريكية بدول الجوار: التشاد، النيجر، مالي، تونس وموريتانيا، تديرها قاعدة "أفريكوم" بالسينغال، وهي تطوِّق الجزائر من الاتجاهات الثلاثة تحت رايةٍ كاذبة اسمها "مكافحة الإرهاب" تنتظر فقط تصفية الملفين المفتوحين في سوريا وليبيا.
ولأن الوقاية خيرٌ من العلاج والمغالاة في الحذر تبقى أفضل من الإفراط في الثقة بقوم لا يألون في العرب والمسلمين إلّا ولا ذمّة، فليس مسموحا للسلطة كما للنخبة السياسية بأن تغفل عن هذه التهديدات المتداولة اليوم بجدية في أروقة أكثر من محفل دولي وفي دور الدراسات، ثم البحث معا عن سبل تأمين البلد بتحصين جبهته الداخلية بإشراك أوسع للفعاليات السياسية، وبإعداد المواطنين لمواجهة هذه الاحتمالات التي قد تصبح حقيقة في الأعوام الخمسة القليلة القادمة، في عالم يُعاد فيه تقسيم مناطق النفوذ من جديد عبر حرب عالمية من نوع جديد تُنفَّذ بأدوات جديدة، وتحت مسوغات كاذبة، عبر وكلاء محليين، وبأموال ودماء الشعوب الضعيفة فوق أراضيها المستباحة.

  • print