حملة الخُطبْ قبل الحَطبْ

date 2017/04/13 views 1918 comments 1

بدأت "الحملة" الربيعية في جو من التغاضي عن "الطرف" وتعاطي مع الظرف: مواطنون غائبون، بفعل التغييب القسري لسنوات اليسر قبل العسر، وأحزاب ومترشحون، طمعهم في المنصب، من "طعمهم" في المكسب، لا خدمة منتخبيهم الذين ملوا من خطاب الحسب والنسب والوعود بلا وجود، وحريات بلا قيود، ومستوى معيشي غير معهود.. صار المواطن يعرف أن ممثليه، هم من سيمثلون به، وأنهم سيكونون عليه نكبة أكثر من نكبة الجهاز التنفيذي، فلقد رأى بأم أنفه وسمع بأرنبة عينه، كيف سعّر البرلمان الأسعار وأشعل النار في وقود الدار وفي بطاطا كانت بالأمس "خضرة فوق طعام"، حتى أن مشروع الحكومة لميزانية السنتين الأخيرتين، كان أرحم من تعديلات البرلمان عليها والتي زادها طينا على تطين، وبلة على وبال، وحرقة على حريق، وعوض أن يدافع عن المواطن، وطّن دفاعه عن الحكومة، كأنه محاميها في شكل حراميها!

لهذا، يبدو المواطن غير آبه بالحملة ولا حتى بالانتخابات المقبلة، مع أن الأمر مصيري وقد يغيِّر من مسار البلاد وقد يهد جدار بيت العبادـ هذا العبث السياسي الذي عرفناه لسنوات، جعل المواطن مكترثا بما هو سياسي، تاركا السياسة "لأهلها"، ولو كانوا ليسوا أهلا لها لا سهلا بها، ليعمل المواطن على "تسيير" أموره بمفرده وبطرقه الخاصة الملتوية أو المعوجة أو غير المباشرة، لعلمه أن الطرق "السوية" قد لا تَسوَى شيئا ولا تُسوّي أشياء في بلد غير سوي سياسيا.
بدا لي الأمر فجأة وكأني أعيش حملة أمطار رعدية في عزِّ الصيف بسبب الحرارة التي بدأت تتأهَّب لفصل صيف ورمضان ساخن، تصوَّروا "الحملة" التي تأتي بها الأمطار الطوفانية المحلية الرعدية غير المرتقبة في بلد كبلدنا الذي يغرق في بركة وحل بعد خمس دقائق من الأمطار: حملة حقيقية وليس انتخابية، حملة أتت مُحمّلة بمياه موحلة وجذوع أشجار مُرهّلة، وجثث حيوانات ملوثة: الشارع الرئيسي في قرية "ابنِ وأسكت"، الذي كان في السابق "شُعبة" من الشعاب، سكنه الشعب المتعب، إلا أن النهر عاد إلى مجراه، وحن إلى أصوله التاريخية، عاد نهرا جارفا.. البالوعات لم تجد ما تبلع، الماء دخل إلى البيوت من نوافذها كالاستعمار الحديث، الأبواب الموصدة لم تفلح في وقع هذا التدفق العالي لمياه الأمطار المحلية، مير القرية كان لاهيا في حملة سياسية في حزب آخر بدَّله بحزبه الذي لم يرشحه: بدَّل الفيستة في 24 ساعة، كل المسؤولين كانوا خارج القرية يقومون بعملهم الأساسي: حضور مهرجان الخطابة الانتخابية.. المشكل أن المهرجان كان يحدث خارج القرية ولا أحد يعلم أن القرية من الداخل تغرق في ماء الوحل، ولم يتفطن أحد لذلك إلى أن وصل السيل إلى مكان انعقاد المهرجان في ساحة السوق الأسبوعية، وتعالَ يا حبيبي تشوف الزين والبهدلة: الهربة وين؟ المير وممثلو الحزب الذين يخطبون ودَّ جمهور جيء به، قيل لأن الرئيس قد يحضر.. كذبة وصدَّقها الناس لأنهم يحبون رئيسهم في هذه البلدة، إشاعة وانطلت على الشعب، لكن ما إن عرفوا أن الرئيس المقصود إنما هو رئيس المجلس الولائي، حتى صفق وصفر الناس وتركوهم قبل أن تصل الحملة.. لتحمل عليهم، المير فقد سرواله في الحملة المطرية، رئيس ديوان الوالي، ورئيس الديوانة، لو لم ينقذوه من الغرق لكانا من زمرة ضحايا "سوق السيمانة"، طارت السراويل وانكشف الأجساد الانتخابية.. وهرع السكان لنجدة بيوتهم بأنفسهم إن وجدوها قائمة.. أصلا!
لما أفقت، وجدت نفسي أنا من يغرق في حملة ذات منفعة عمياء: تركت الحنفية مفتوحة على صنابيرها طمعا في ماء انقطع قبل يومين، فجاء الماء.. ليلا ونحن نيام لنستيقظ ونحن "عُوّام"، كل عام وأنتم بخير!

  • print