المدرسة الباديسية

date 2017/04/13 views 4295 comments 19

تفضل الأستاذ عيسى عمراني فزارني في بيتي، وقد سرّتني تلك الزيارة وأفرحتني لما أحيت من سابق معرفة بيننا في مدينة قسنطينة، ولما حملت إليّ من تحية أخ عزيز جمعت بيننا أيام الغربة في فرنسا، وهو الأستاذ الأديب الأنيق خالد حسين، ولما أهداه لي، وأية هدية أغلى قيمة عندي من كتاب، فأنا على مذهب شاعر المعاني الفحلة، والعبارة الجزلة أبي الطيب المتنبي الذي يقول: أعز مكان في الدّنى سَرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب

إن هذا الكتاب الذي أهداه لي الأستاذ الفاضل عيسى عمراني هو مما دبّجه قلمه، وهو عن تجربة الإمام المعلم عبد الحميد ابن باديس، الذي أكرم به الله - عز وجل- الجزائريين، ومنّ به عليهم، فأيقظ نائمهم، ونبّه غافلهم، وذكّر ناسيهم، وعلّم جاهلهم، وهدى ضالّهم، وكشف خائنهم.. فكان أهم شخصية جزائرية في القرن العشرين كما كان الأميرعبد القادر أهم شخصية جزائرية في القرن التاسع عشر، كما يؤكد الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وهو مصيب في ذلك.
عنوان كتاب الأستاذ عيسى عمراني هو "المدرسة الباديسيّة، ومناهجها الدراسية"، وكيف لا يكون الإمام ابن باديس مجالا لاهتمام الدارسين والمدرسين والمربين الحقيقيين وهو –كما يقول عنه أخوه وخليفته في رئاسة "خير جمعية أخرجت للناس"، الإمام محمد البشير الإبراهيمي: "مربّي جيلين كاملين على الهداية القرآنية والهدي المحمدي، وعلى التفكير الصحيح، ومحيي دوارس العلم بدروسه الحية، ومفسر كلام الله على الطريقة السلفية.. وغارس بذور الوطنية الصحيحة...". (آثار الإمام الإبراهيمي: ج3. ص552).
ولم يكن الإمام الإبراهيمي وحيدا في إنزال الإمام ابن باديس هذه المنزلة العالية في العلم والعمل والوطنية، بل شاركه فيها كل من يُعتدّ برأيه، ويُوثق في عقله ورشده، ومنهم الأستاذ الدكتور محمد البهي، وزير الأوقاف المصري في أوائل الستينيات، حيث يقول في المقدمة التي كتبها لتفسير الإمام ابن باديس: "إن عبد الحميد ابن باديس لم يكن شخصا، وإنما كان قبسا من نور الله، كشف به ظلام الاستعمار في الجزائر، وهدى به قوما كادت تُضلهم ظلمته، وتُيئسهم محنته، وأصبحوا بذلك أقوياء بعد ضعف، ووحدة بعد فرقة، وأصحاب أمل في الحياة بعد يأس منها.." (صص9-10).
وها هي شهادة مفكر فرنسي هو روجي (رجاء) غارودي، الذي يؤكد "أن ابن باديس والإبراهيمي ورجال "الجمعية" حاربوا التعليم الاستعماري الهادف إلى تحطيم مقومات الشخصية وقطع الطفل الجزائري عن الثقافة العربية الإسلامية، وحاربوا كذلك العقلية الخرافية، فتلك العقلية بما فيها من خرافات وإشاعات تتنافى مع روح الإسلام". (المدرسة الباديسية ص209).
من عادة المؤلفين أن يبوّبوا كتبهم إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، والفصول إلى مباحث، ولكن الأستاذ عيسى عمراني ارتأى أن يقسم كتابه إلى مباحث أوصلها إلى خمسة عشر مبحثا وخاتمة... ولا نوافقه على هذا التقسيم.
لقد بذل الأستاذ جهدا كبيرا في تأليف هذا الكتاب القيم معتمدا على أمرين هامين هما:
1/ المراجع الكثيرة التي استشارها، وهي متفرقة في الكتب والمجلات والجرائد، وبعض اللقاءات...
2/ خبرته الشخصية، فهو أستاذ مارس التعليم، وخبر النظريات التربوية الحديثة، وألمّ بمنهج الإمام ابن باديس التربوي، الذي طبقه معلمو جمعية العلماء في المدارس الحرة، التي كانت حرة بأتم معنى الكلمة...
إن نقص الرجال والإمكانات لم يثبط الإمام ابن باديس وصحبه، ولم يقعده عن العمل ولو مع قصور.. وقد ظهر نضج التجربة الباديسية التربوي في "مدرسة التربية والتعليم" التي سماها الأستاذ عمراني محقا "أم المدارس" (ص 86). وقد نسج كثير من مدارس الجمعية على منوالها، حتى إن كثيرا من هذه المدارس تحمل الاسم نفسه.. ولو ساعدت الظروف الإمام ابن باديس لأتى في مجال التربية بـ "العجب العجاب"، كما أتى في التفسير بإبداعات أشاد بها مفكرون وعلماء من الجزائر وخارجها.. ويدل على اهتمام الإمام بالتربية روحا ومنهاجا دعوته إلى عقد مؤتمر للمعلمين لمناقشة مشكلات التعليم، واقتراح أنجع الأساليب التربوية.. من غير انغلاق على الذات، واستفادة من أية تجربة ناجحة عند غيرنا مستندة في ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم – القائل: "الحكمة ضالة المسلم..."، وهدفه من هذه العملية التربوية "تصحيح الفكر، وصقل العقل، وترقية الروح، وتقوية الخلق، وتسديد الاتجاه في الحياة..". (ص 172).
ومن أهم إنجازات المدرسة الباديسية في عهده وبعد موته دعوته إلى تعليم البنت الجزائرية وتشجيعه لها لتؤدي واجبها في طلب العلم، إذ العلم في ديننا الحنيف فريضة على الأنثى كما هو فريضة على الذكر.. وقد ذكر الشيخ أحمد بوشمال، وقد كان ظلا لابن باديس، أن آخر درس ألقاه الإمام قبل أن تلتحق ورقاؤه بعالمها الأسمى كان للنساء.. وذهب إلى أبعد من ذلك حيث راسل جمعية نسوية في دمشق ليستفسر عن إمكانية إرسال مجموعة من الطالبات للدراسة، وقد حال دون إتمام ذلك نشوب الحرب العالمية الثانية..
إن لب المدرسة الباديسية هو الأخلاق، وقد أكرمنا الله – عز وجل – فتعلمنا في هذه المدرسة الباديسية، فنشأنا معلمونا – رحمهم الله – على الأخلاق، وحفظونا – ونحن صغار – قول الشاعر:
لا تحسبن العلم ينفع وحده     مالم يتوّج ربه بخلاق
وكان شعار هذه المدرسة التي تآمر عليها المحتلون عقليا، كان شعارها – كما يقول الإمام إبراهيم بيوض "لا نقبل علما بلا خلق". (بو حجام: منهج الشيخ بيوض في الدعوة والإصلاح. ص 185). وكما يقول الإمام الإبراهيمي: "إن هذه الأمة رضيت لأبنائها سوء التغذية، ولكنها لا ترضى لهم – أبدا – سوء التربية، وأنها صبرت على أسباب الفقر، ولكنها لا تصبر – أبدا – على موجبات الكفر". (آثار الإبراهيمي 3 / 221).
لقد جاءت المدرسة الباديسية لتواجه "المدرسة الباليسية" (من إبليس)، حيث ذكر المؤرخ الفرنسي قي بيرفيللي في كتابه "الطلبة الجزائريون في الجامعة الفرنسية" أن الشعب الجزائري كان يسمي المدرسة الفرنسية في الجزائر "مدرسة الشيطان". وهاهي الجزائر اليوم ميدان معركة حضارية بين المدرسة الباديسية، ومن ورائها الشعب الجزائري الأصيل، وبين المدرسة الباريسية ممثلة في ثلة من الجزائريين يريدون أن تبقى الجزائر "ذيلا" لفرنسا، حيث يرفضون الانعتاق الفكري، والنفسي، وما يتبعه من تحرر اقتصادي وسياسي، ويعملون جهدهم لترسيخ ما يسمى "الاحتلال الأخلاقي" (مجلة الشهاب. أوت 1932. ص 449).
إن هذه المعركة طويلة وضاربة، ومن ورائها في الطرف الآخر ممن نعلم من قوى داخلية مدعومة من قوة خارجية... ولكننا متأكدون أنه كما كسب الجزائريون المعركة المسلحة ضد فرنسا فسيربحون هذه المعركة، إن شاء الله.
شكرا للأستاذ الفاضل عيسى عمراني على جهده الكبير وعمله الجيد، ونطمع أن يزيد، سواء بالتوسع في هذا الكتاب القيم، أو بإخراج كتاب آخر.. وشكرا ثانيا على هديته القيمة، وشكرا لأبناء المدرسة الباديسية قديما وحديثا، وتعسا لكل مدخول الفكر، وآخر هذه المعركة التآمر على المدرسة القرآنية.. التي هي روح "المدرسة الباديسية"، حيث يؤكد الإمام ابن باديس ذلك بقوله: "إننا نربي – والحمد لله – تلامذتنا على القرآن، ونوجه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يُكوّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها". (المدرسة الباديسية. ص 71).

  • print