المشروع المعلق

date 2017/04/17 views 5408 comments 21

في بداية التسعينيات من القرن الماضي أنشأ المعهد الوطني العالي لأصول الدين مجلة سماها "الموافقات" تأثرا وإعجابا بكتاب "الموافقات" للإمام العبقري الشاطبي – رحمه الله - لقد تشرفت برئاسة تحريرها تحت إدارة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم مدير المعهد آنذاك.

وقد اتفقنا أن نخصص في كل عدد ملفا عن أحد علمائنا، وهدفنا من وراء ذلك أن يثق شبابنا في علمائهم، ويتبينوا أن هؤلاء العلماء – قديما وحديثا – لا يقلون شأنا عن غيرهم إن لم يفوقوهم.
خصصنا ملف أحد الأعداد عن الإمام عبد الحميد ابن باديس، ومن الأساتذة الذين استكتبناهم الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي كان أيامئذ يعمل في جامعة آل البيت في الأردن الشقيق بعدما اعتبرته "الجماعة" عندنا "غير صالح".
بينما كنا ننتظر مساهمة أستاذنا، جاءتنا رسالة منه ليست كأحد من الرسالات يعتذر فيها أستاتذنا عن عدم الكتابة، مبديا رأيه عن سبب ذلك، وقد أحببنا أن يطلع عليها القراء بمناسبة إحياء يوم العلم، الذي يوافق ذكرى وفاة الإمام المرتضى، وتذكيرا بأستاذنا أبو القاسم سعد الله وهذا نص كلمة الدكتور:
"إن إصدار عدد عن ابن باديس في هذه الظروف قد لا يليق بمقامه العظيم، فالباحث مهما كان شجاعا في الرأي لا يستطيع أن يكتب عن ابن باديس دون أن يجامل أو يداور أو يدخل السجن، فأنت (*) تعرف أن أفكار ابن باديس وسيرته لا تقدم صورة إنسان عادي، بل صورة رجل له مشروع حضاري وضع أسسه وبدأ في تنفيذه، لكن المنية اخترمته، فبقي المشروع معلقا كالجسر الذي صممه المهندس، وبنى جزءا كبيرا منه، ولكنه لم يكمل ربطه بالضفة الأخرى، ولكن الضفة واضحة، والتصميم موجود، والبناء الرابط يمكن مده بسهولة. والسؤال المحير: من هو المسؤول عن وقف عملية البناء؟ ومن ذا الذي يفترض به إنجاز المشروع على الطريقة الباديسة، أرجوك  أن تترك الرجل وشأنه الآن. فلم يحن بعد زمن الكتابة عن ابن باديس حقيقة. وإن الأمة التي تأكل أبناءها غير جديرة بأن تكتب عن ابن باديس حتى تتوب توبة نصوحا. وسيأتي اليوم الذي يخرج فيه ابن باديس كالمهدي المنتظر ليقول كلمته في الانحراف الذي تعرفه الأمة، وقد يرفع فأسه ويهوي به على الجذوع النخرة التي سوست وما ساست، وتحللت وما حامت عن الحمى".
جامعة آل البيت في 19- 12 -1996 
(*) المخاطب هو رئيس تحرير مجلة "الموافقات" آنذاك

  • print