كيف نُفكِّر في درجة الصفر؟!

date 2017/04/20 views 3312 comments 16

يجعل البعض من انخفاض أسعار المحروقات كارثة وطنية من شأنها أن تُبرِّر كل إجراءات التقشف، ونقص الإنتاج، وضعف القدرة الشرائية، في الوقت الذي كان علينا أن نبذل جهدا أكبر لمعرفة ما الذي يُمكن أن نستفيد منه جرَّاء هذا الانخفاض؟ وكيف علينا أن نُفكر وخزائن بلدنا باحتياطي صرف في درجة الصفر؟ وكيف ينبغي أن نجعل من هذا الاحتياطي المعدوم، محرِّكا للنمو بطريقة أخرى، ووسيلة لحصر أكبر المشكلات التي مَنعتنا من بناء اقتصاد متوازن طيلة العقود الماضية؟

باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، التي تطورت لأسباب عدة غير تلك المتعلقة بالطاقة، لا توجد دولة بترولية واحدة ـ ذات احتياطات صرف أو مداخيل بترولية كبيرةـ يُمكن أن نُصنفها بالمتقدمة، من فنزويلا والإكوادور في أمريكا الجنوبية إلى السعودية والعراق ودول الخليج في المنطقة العربية إلى إيران وروسيا أو جمهورياتها السابقة بآسيا... جميع هذه البلدان، وإِنْ بَدَت عليها بعض مظاهر التقدم، فهي ليست كذلك، باعتبار أنها لا تَزيد على أنها تختزن طاقة في طبقات أراضيها العميقة، تستخرجها في الغالب بواسطة تكنولوجيا لا تمتلكها وتبيعها لتحوِّل عائداتها إلى "احتياطات صرف" أو إنجازات في الغالب لا تُحققها بأيدي أبنائها، أو هي بمساهمة ضعيفة من تلك الأيدي... في حين أن الدول  الأكثر تقدما أو تلك الصاعدة والأكثر تحكما في الاقتصاد العالمي هي دول مُنتجة للطاقة بالقدر الذي لا يكفيها مطلقا، أو من أكبر مستهلكيها، من الصين إلى اليابان إلى أوروبا الغربية إلى النمور الآسيوية المختلفة، إلى جنوب إفريقيا والبرازيل، وجميعها  لا تحصل أبدا على احتياطي صرفها من الريع بل من الانتاج.

علينا أن نُعِدَّ أنفسنا للتفكير في ظل خزينةٍ فارغة، ومن الآن، وبدل اعتبار ذلك إيذانا بكارثة حقيقية ستعرفها بلادنا، ونُدخل أنفسنا ضمن هستيريا انخفاض احتياطي الصرف، نعتبرها بداية مرحلة جديدة في مسار حياتنا الاقتصادية والاجتماعية ينبغي أن نستعدّ لها على جميع المستويات.

بما يعني أن امتلاك مخزون كبير من الطاقة، لا يساويه سوى امتلاك مخزون كبير من الأموال الريعية التي لا تكتفي بمنع البحث عن مصادر أخرى للثروة كالعمل وما يرتبط به من وفرة وإنتاج وتقدُّم، بل تدفع إلى مزيد من الأمراض التي تصبح مع مرور الوقت مُنشئة للتخلف، كالتواكل والاعتماد على الآخر والانغماس في حياة الاستهلاك بجميع أنواع هذا الاستهلاك، إن لم يكن الإفراط فيه إلى حد التبذير والهدر.
ولعل هذا ما ينطبق على أكثر الدول البترولية التي لم تَتمكن من الإقلاع، بدل تحقيق تنمية حقيقية سارت باتجاه، إما تحقيق تنمية في الشكل من حيث البنية التحتية والرفاه القائم على الاستيراد (نموذج الدول الخليجية)، أو الدخول في متاهة فوضى التنمية القائمة على هدر الامكانيات وخلق اضطرابات اجتماعية لا حصر لها نتيجة التوزيع غير العادل لعائدات المحروقات من العملة الصعبة، أو نتيجة الفساد الذي يعمل على تحويل هذه العائدات نحو تحقيق مشاريع طفيلية لا جدوى منها، أو مشاريع غير متناسبة مع كلفة إنجازها أو لا تحمل معها أي فائض قيمة يمكن أن يكون محرِّكا للاقتصاد الوطني.
وبلادنا تدخل ضمن هذا الصنف الأخير، حيث إن عائدات المحروقات لم تُستَثمر فيما ينبغي أن تُستثمر فيه، أو تمَّ تبديدُها بطريقة أو بأخرى، يكفي ما علمناه في المدة الأخيرة من أننا استوردنا بما مقداره 7.5 مليار دولار كماليات لا علاقة لها بالتنمية (صلصات طماطم وشوكولاطة وعلك  وحلويات... الخ)، وهذا في عز سنة 2016 التي اعتبرناها سنة تقشف! أي أننا استوردنا ـ قياسا على هذه السنةـ  بمبالغ أكبر بكثير في سنوات البحبوحة تصل إلى عشرات المليارات الدولارات... والكل يعلم أن هذه المبالغ تصل أحيانا إلى ميزانيات دول بأكملها، وكان بإمكاننا أن نوجهها الوجهة الصحيحة في تحسين التعليم والصحة وبناء قاعدة تحتية صلبة للصناعات الخفيفة... أي في تحقيق التقدم.
هذا لم يحدث، ولا مجال للتأسف عليه الآن، فقد فات الأوان.. اليوم علينا أن نُفكِّر وخزائننا فارغة في درجة الصفر، وينبغي أن يكون تفكيرنا صحيحا هذه المرة، وأن نستفيد من كل تلك الأخطاء السابقة.
لقد ذكر الخبير الياباني "ماساكي إيماي" صاحب فلسفة "الكايزن" (التحسين المستمرّ) في معرض حديثه عن أساليب النجاعة في الميدان الصناعي في مؤلفه الشهير "جمباكايزن" أنه "عندما يكون مستوى المخزون مرتفعا، لا يهتم أحد (في المصنع) بالقدر الكافي من التعامل مع مشكلات مثل الجودة، وفترة تعطل الماكينات، والتغيُّب عن العمل، وبالتالي تضيع فرص تحقيق الكايزن" (ص102)، وهو ذات الشيء الذي يمكن أن ينطبق على خزينة الدولة من وجهة نظرنا، عندما تكون ممتلئة بعائدات البترول العالية لا أحد يُفكر في تحسين الواقع المعيش أو في التطوير المستمر أو في البحث عن الأسباب الحقيقية لتعطل آلة التقدم في البلاد، ناهيك عن الانتباه إلى مواطن الهدر الكبيرة في الوقت والجهد والامكانيات والموارد...
وقد حلّ اليابانيون هذا الإشكال في الميدان الصناعي، بأن وصلوا إلى أن أصبح المخزون لديهم صفرا، أي كلُّ ما يُنتج يتم تسويقه مباشرة وتتم مراقبة جودته بطريقة فعَّالة حتى يحظى برضا الزبائن، وبالضرورة تُحل  المشكلات التي يتعرض لها في حينها حتى لا تتأخر المصانع على تلبية الطلبات، فتتحول إلى أماكن عمل (جمبا) حقيقية، لا تتوقف عن التطور باستمرار ولا تؤمن بالتوقف عن العمل ولو لساعة لأنها لا تمتلك مخزونا تُعوِّل عليه... وتعميم ذلك على بلد بأكمله يعني أنه سيستمر في حالة يقظة استراتيجية دائمة تمنعه من أن يغفل عن مشكلاته أو عن نوعية المنتجات التي يقدمها للعالم، وهي  من أكبر إيجابيات المخزون الفارغ الذي تم اعتماده.
لماذا نخشى نحن إذن أن تفرغ خزائن الدولة من العملة الصعبة؟ لماذا لا نُفكر بطريقة جديدة في هذا المجال ونعتبرها فرصة لنعمل، ونُبعد عنَّا الكسل والاعتماد على ما لدينا من مخزون (احتياطي صرف) بما ينتج عنه من تواكل وتأجيل لحل المشكلات المختلفة إلى حين؟ ألسنا في حاجة إلى هذه تماما؟ أليس التقدُّم على الأقل في جانبه الاقتصادي هو أن نبذل الجهد في الوقت الملائم ونعتمد على الذات في انتاجنا ونحل المشكلات التي تعترضنا في حينها؟
يبدو بالفعل أنه علينا أن نُعِدَّ أنفسنا للتفكير في ظل خزينةٍ فارغة، ومن الآن، وبدل اعتبار ذلك إيذانا بكارثة حقيقية ستعرفها بلادنا، ونُدخل أنفسنا ضمن هستيريا انخفاض احتياطي الصرف، نعتبرها بداية مرحلة جديدة في مسار حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، ينبغي أن نستعدّ لها على جميع المستويات بما في ذلك السياسية منها.
إنه من الخطأ بمكان عدم إعداد الأذهان لهذه الحالة، وعدم الشروع في بلورة سياسات جديدة لمرحلةٍ يصل فيها احتياطي الصرف عندنا إلى الصفر، ومن الخطر الأكبر أن ندفع بالناس إلى التعلق بما بقي من مليارات دولار قليلة في المخزون نعدها عدّا، وأن نطمئنهم أن هذا المخزون لن ينفد أبدا! عكس ذلك تماما علينا أن نُعِدَّ أنفسنا للتفكير بمخزون فارغ أي باحتياطي صرف في درجة الصفر، خاصة وأن ذلك متوقع خلال السنتين القادمتين إذا ما استمرَّت أسعار البترول على حالها أو انخفضت أكثر، وهذا سيُبعدنا عن تلك الأسئلة التشاؤمية التي لا تتوقف عن تكرار أن كل شيء سينهار بعد 2019 عندما نصل إلى صفر احتياطي في خزائننا.
ينبغي أن نُدرك أننا نحن مَن يتحكم في الانهيار أو عدمه بما نمتلك من نظرة استباقية أو نفتقدها، وفي هذا المجال بالذات يمكننا بتعديلات جوهرية في سياساتنا العامة الاقتصادية والاجتماعية، باعتماد فلسفة جديدة في تسيير شأن الدولة والشأن العام، بـ"كيْزَنة" الحياة السياسية وإخراجها من الحالة التي هي فيها الآن، أن نُحوِّل تفكيرنا جذريا من اعتبار نضوب كل ما لدينا من احتياطي مالي أو في مجال الانتاج كارثة لا يمكننا مواجهتها، إلى اعتباره ورقة رابحة علينا أن نبدأ معها الخطوات الأولى للتحسين المستمرّ والحقيقي وفي كافة المجالات... أليس ذلك هو البديل؟

  • print