في غياب دور فعّال لمؤسّسات وزارة التضامن الوطني

مراكز الإيواء تطرد نزلاءها من المراهقين والمعاقين إلى الشارع بعنابة

date 2017/04/20 views 12199 comments 1
author-picture

icon-writer ب. حسينة

كان عبد القادر واقفا ينظر بخجل، يرتعد من البرد جراء نسمات المساء المشبعة بالرطوبة ورائحة البحر، وبسؤاله عن سبب عدم لباسه معطفا أو شيئا يقيه البرد، قال إنه أعطى معطفه لامرأة متشرّدة دثّرت به رضيعها الذي كان شبه عار في برد الصباح، فالذي عانى من المبيت في العراء يدرك معنى الإحساس بالبرد والخوف في الشارع.

تختزل قصة لوصيف عبد القادر، معاناة العديد من الأشخاص اليتامى أو مجهولي النّسب الذين لا يملكون عائلة، ولا يسأل عنهم أحد، كما تحيلنا إلى مأساة إنسانية تعيشها فئة من مجتمعنا يتم تجاهلها رسميا وشعبيا في غمرة حياتنا المزدحمة، فلا مراكز الإيواء تستمر في رعايتهم ولا المجتمع يلتفت إليهم.

وقفت "الشروق" هذا الأسبوع على قصة شاب في الثامنة عشرة من العمر، يفترش الأرض ويلتحف السماء، هائما لا يدري أين سيقضي ليلته أو أين يتجه، وهو الذي يعاني من إعاقات متعددة بنسبة 60%، حيث عثر عليه أحد الناشطين في رابطة حقوق الإنسان بعنابة وهو حائر في أمره مع اقتراب الليل، ليكتشف أنه شاب يتيم دون مأوى، تربى في ميتم بولاية الشلف منذ كان في الثالثة من عمره، تمّ تسريحه منه عندما بلغ الخامسة عشرة، وطُلِب منه أن يتدبر أمره، لتبدأ رحلة عبد القادر مع التنقل بين مراكز الإيواء والشارع في الولايات التي حلّ بها، من بشار إلى عنابة ..

يروي الناشط الحقوقي محمود جنان الذي دمعت عيناه تأثرا لحالة الشاب كيف فشلت رحلة البحث لإيجاد مأوى له، فاصطحبه أول الأمر إلى مركز للشرطة، حوّلوه منه إلى مقر الأمن الولائي، وهناك قال له ضابط إنّه لا يمكنه أن يفعل له شيئا، ولا يمكنه أن يجبر مركز الأشخاص دون مأوى على إيوائه، فخطر بباله أن يصطحبه إلى بيت الشباب الكائن بسيدي إبراهيم، فقوبل طلبه أيضا بالرفض، وأن عليه أن يعيده إلى قبو العمارة الذي قضى فيه لياليه السابقة. قرّر الناشط أن يتدبّر أمر الشاب، ووفّر له مأوى عند حارس ليلي أعطاه فراشا وبطانية تقيه برد الليل في حي سيبوس.

"الشروق" تحدثت إلى الشاب في اليوم الموالي، فتحدث عن معاناته وتنقلاته بين مختلف الولايات بحثا عن مأوى ولقمة عيش منذ كان في ولاية الشلف، إلا أنّ مراكز الإيواء المدعومة من الدولة سرعان ما تطلب منه المغادرة ويجد نفسه في الشارع مرة أخرى، وما يزيد من صعوبة الحياة وقسوتها عليه هو إعاقته التي قال إنّها تحول دون إيجاده عملا. 

ويستغرب الشاب بحسرة كيف تتخلّى عنه وعن أمثاله مراكز الإيواء وهو في أمس الحاجة إلى المساعدة، وما دور كل مراكز الرعاية التي تموّلها الدولة وتسهر عليها وزارة التضامن الوطني بمختلف مديرياتها للنشاط الاجتماعي، وفي الحقيقة فإنّ تساؤل المراهق مشروع بالنظر إلى الإطار القانوني الذي يحكم عمل هذه المديريات ويجعلها مطالبة بتقويم حاجات الفئات المحرومة والأشخاص المعاقين حسب ما ينص عليه المرسوم التنفيذي رقم 10-128 لسنة 2010، حيث يصبح أمثال عبد القادر ضحايا مشرّدين في الشوارع، معرّضين لأخطار العصابات والاعتداءات المختلفة، مع العلم أنّه لن يسأل عنهم أحد في حالة فقدانهم، في حين تعرّي مثل هذه الحالات ضعف التغطية الاجتماعية وعدم إيلاء الاهتمام الكافي بهذه الفئات المحرومة، خاصة المعاقين منهم..

  • print