كفاح الشعب الفلسطيني في منعطف خطير!؟

date 2017/05/07 views 1310 comments 0

تمر فلسطين وكفاح شعبها بمرحلة حساسة ودقيقة لأن هناك عدة عناصر متناقضة ومتعاكسة تحيط بها وكل منها يشدها الى اتجاه مما يزيد المشهد ارتباكا والفهم حيرة.. وفيما نحن نتابع معركة الأمعاء الخاوية التي أطلقها الأسرى الفلسطينيون في السجون الصهيونية نكاد نشعر بانشطار حقيقي بين قطاع غزة بقيادة حركة حماس والسلطة الفلسطينية في رام الله، هذا الانشطار الذي يتعزز يوما بعد يوم بإجراءات متبادلة تكرسه وتجعل الرجوع عنه ليس سهلا على الأقل في المدى المنظور.

بمعنى أكثر وضوحا نعيش حالة تناقض كبيرة وخطيرة بين قواعد الكفاح الفلسطيني وطلائع المجاهدين الفلسطينيين ورموزهم النضالية في السجون حيث قيادة فتح والجبهة الشعبية وقيادات العمل العسكري من حماس والجهاد والديمقراطية، هذا من جهة فيما تتمثل الجهة الأخرى في القيادة السياسة لحماس وفتح التي لم تستوعب كيفية الخروج بالاتفاقيات الموقعة إلى حيز التنفيذ حيث ظلت حركة حماس وفتح تراوحان في المكان نفسه عند الخطوة الأولى للتنفيذ، فحركة فتح تصر على أن تتخلى حماس عن كل مظاهر قوتها في قطاع غزة وأن تسلم كل شيء للسلطة، فيما ترى حماس أن الأمر في الواقع ليس مستساغا ولا ممكنا بعد أن أصبح جيش حماس بعشرات الآلاف وتشكلت الإدارة بكل عناوينها ومضامينها في قطاع غزة من قبل حركة حماس على أنقاض السلطة المنهارة التي انسحبت من مواقع العمل بمجرد اقتحام حماس مقرات السلطة الأمنية في غزة.

هذا يعني لأول مرة أن الفلسطينيين يتحركون بإيقاع واحد وبتعاط ذي حساسية واحدة مع الأحداث ولم ينس هؤلاء جميعا أن يتجاوزوا حالة التشظي والانقسام البغيض.. وهكذا يصبح الإضراب هو عنوان فعل الكل الفلسطيني.

من المهم ملاحظة أن الإضراب الحالي يتميز عن جولات الإضرابات السابقة؛ فالعملية يقودها الآن مروان البرغوثي الأكثر ثقة في اللجنة المركزية لحركة فتح وسعدات الأمين العام للجبهة الشعبية وكذا قيادات متقدمة من حركة حماس والجهاد والديمقراطية وهذا في ظل توافق تام وتشكيل قيادة داخلية برئاسة مروان البرغوثي واتفاق على برنامج عملياتي يجعل من وحدة القيادة أمرا راسخا.. فكان هذا شرطا ضروريا للخروج من حالة التشظي المتنامية في خارج السجن. وتعتبر هذه العملية الخطوة الكبيرة الثانية بعد أن قامت القيادات الفلسطينية في السجون بإعداد وثيقة الوفاق الوطني والتي اعتُمدت من قبل كل الفصائل الفلسطينية رغم عدم جدية المتخاصمين الفلسطينيين في تنفيذها.

والأمر الذي يعطي للإضراب أهمية قصوى هو المراهنة على أن العدو لن يسرع بتحقيق مطالب الأسرى ولن تكون سابقة يوقعها العدو بيديه بل سيتجه إلى مزيد من إرهاق  الأسرى وسيحاول بكل وسيلة تفتيت الإضراب واحتواءَه مع التماطل والتسويف، الأمر الذي يعني بوضوح أن مخاطر حقيقية ستلحق ببعض الأسرى المضربين مما يعني بوضوح أن ضحايا سيسقطون في هذه المعركة القاسية.. مما سيدفع بفعاليات نوعية في المعركة..

هكذا يحدد الإضراب اتجاه محددا معينا على طريق التصعيد مع العدو والعمل الفلسطيني المشترك وهو قد استطاع خلال أيامه العشرين الأولى أن يضخ دماء ساخنة في عروق الشعب المشتت سياسيا وجغرافيا فإذا به في كل مكان من فلسطين والشتات يتحرك خلف قياداته المجاهدة في السجون.. ولقد كان لافتا أن يتحرك الفلسطينيون في العمق الفلسطيني والشتات بهذا الحجم الواضح الكامل فلقد تميزت نشاطات الفلسطينيين في العمق الفلسطيني بفعالية ووضوح رفع من نصيب الانتماء الوطني والمشروع الوطني الشامل والعمل بنفس الوتيرة وفي نفس الاتجاه مع المجموع الفلسطيني.. وهذا يعني لأول مرة أن الفلسطينيين يتحركون بإيقاع واحد وبتعاط ذي حساسية واحدة مع الأحداث ولم ينس هؤلاء جميعا أن يتجاوزوا حالة التشظي والانقسام البغيض.. وهكذا يصبح الإضراب هو عنوان فعل الكل الفلسطيني الذي حاول من مدة ليست قصيرة أن يتلملم لاسيما وانتفاضة القدس وتمددها في أكثر من مكان بأساليب مبدعة شكلت له عنوانا جديدا بعيدا عن الأحزاب واختلافاتها.. وهكذا تلتقي انتفاضة القدس بالإضراب فتمنح الشعب فرصته في الخروج من جو المخاصمات إلى فضاء الكفاح والتصدي للعدو الصهيوني.

ولكن على الجبهة الرسمية هناك هموم أخرى؛ ففي حين مثّل فشل العلمية السياسية للسلطة همّا وهاجسا لا يقل عن ما شكله انفصال غزة العملي عن واقع السلطة التي أصبحت بلا وظيفة محدّدة بعد أن حاول الاحتلال تحويلها وظيفيا إلى مهمات تخفف أعباءه الأمنية والإدارية كما صرح الرئيس الفلسطيني أكثر من مرة أن الاحتلال الصهيوني هو الأقل تكلفة من أي احتلال آخر وأن إسرائيل تماطل وتضيع الوقت لتزيد من نشاطها غير المشروع بالاستيطان.

وفي جهة حماس حيث أعباء المعيشة في القطاع الآخذة بالتصاعد خلال أكثر من عشرة |أعوام وتوالي الحروب الجنونية على غزة والحصار المستمر وتفشي حالة البطالة مع تدفق أفواج الخريجين، كل ذلك جعل حماس محاصرة على صعيد التفكير وانعدام الخيارات.. هذا في حين واجهت حماس تجفيف مصادر الأموال من الخارج لاسيما بعد الجفاء الحاصل مع إيران على إثر موقف حماس من النظام السوري..

السلطة بأوضاعها المتعبة وحماس بأوضاعها المرهقة كان لابد أن يقتربا لأن في تعاونهما وتكاملهما تتوفر الفرصة لتخفيف أعبائهما والتخفيف تلقائيا عن الشعب الفلسطيني، إلا أن تطورات دراماتيكية حصلت بين السلطة التي تقودها فتح في رام الله وحماس التي تسيطر على غزة.. حيث ذهبت حماس إلى تشكيل لجنة إدارية لقطاع غزة الأمر الذي اعتبرته السلطة تشريعاً للانفصال فردت عليه بسلسلة إجراءات تمس معيشة موظفي السلطة بغزة وإجراءات أخرى تمس الحياة في القطاع، فصعدت حماس موقفها الرافض للإجراءات والرافض للاستجابة لتهديدات السلطة.

على أرضية هذا كله انتقل الفعل الفلسطيني السياسي إلى خطوتين "متنافستين" حيث كانت زيارة الرئيس الفلسطيني إلى واشنطن والتقاؤه الرئيس الأمريكي للتأكيد على حل الدولتين فيما توجهت حماس للإعلان عن وثيقتها السياسية التي لم تحمل جديدا إلا في مسألة إقامة الدولة على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشريف، ورغم أن الوثيقة لم تتطرق إلى حل الدولتين أو الاعتراف بدولة إسرائيل، إلا أن المراقبين تساءلوا عن سر حشر هذه الجملة في الوثيقة وأرجعه كثيرون إلى أنه مطلبٌ تركي قطري لكي تتجنب حماس التصنيف الأمريكي للإرهاب بل وتصبح حركة حماس مقبولة دوليا وأمريكيا.. ولقد قرأ المجلس الثوري لحركة فتح أن إقدام حماس على تلك الخطوة إنما هي محاولة من حماس لتقديم نفسها كبديل لمنظمة التحرير.

ليس من المتوقع أن يحصل اختراق ما في الوضع الفلسطيني على الصعيد الداخلي، أما على صعيد العلاقة بدول الإقليم والموقف الدولي فسيخضعون بكل أجزائهم لابتزاز وإغراء بعضهم بالبعض الآخر.. وسيرى الجميع أن كل الوعود المقدمة سرا وعلنا ليست سوى دفعٍ لكل طرف نحو مزيد من التعقيد.

من هنا تأتي أهمية العملية الثورية الكبيرة إضراب الأسرى.. إنها إنقاذ للقضية الفلسطينية من التيه، كما أنها الخطوة العملية الحقيقية لتوحيد الوطن الفلسطيني والشعب الفلسطيني، ومن هنا يصبح على كل حريص ومخلص ووطني أن يدعم توجّه الإضراب ورفع رأيته ليكون عنوان العمل الفلسطيني من كل المواقع.. تولانا الله برحمته.

  • print