جماعة الهجرة والتكفير: نشأتها، أفكارها، نهايتها

date 2017/05/07 views 3290 comments 10
ناصر الدين الميلي

أستاذ جامعي

بعد سلسلة من الحوادث المؤسفة التي شهدتها أرض الكنانة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مما هو مسجل بعضه في مؤلفات من عايشوها واكتووا بلظاها كالأستاذ جابر رزق، والأستاذ أحمد رائف، والحاجة زينب الغزالي، والأستاذ صلاح شادي وغيرهم كثير، وفي أقبية المعتقلات جعل بعض الشباب يتهامسون بعقائد التكفير للنظام الحاكم ثم للمجتمع كله دون تمييز.

لقد بدأ الهمس أولا حول طبيعة النظام ثم جعلت الأسئلة تتوالد وتمتد حتى وصل الأمر إلى نتائج خطيرة، فمن وافقهم على تكفيرهم فهو منهم، ومن خالفهم أو توقف في الأمر فهو كافر مثلهم، لأنه شك في كفر الكفار، ومن شك في كفر الكافر فهو كافر. 

وظل هذا الفكر مجرد أقوال دون أن يتورط معتنقوه في مرحلة التنفيذ والدخول في ترتيب الأحكام والنتائج على مازعموه من أقوال وأوصاف حتى منتصف عام 1967 م حين حدثت مواجهة بينهم وبين ممثلي السلطة في معتقل أبي زعبل، عزلوا بعدها عدة أشهر في زنازين خاصة بهم، تباحثوا خلالها أفكارهم ومفاهيمهم، واجتهد بعضهم في استنباط الأحكام والنتائج على أساسها، على قلة حصيلتهم في الفقه وأحكام الشريعة عموما، ولما أخرجوا من معزلهم، واختلطوا ببقية شباب الإخوان الذين عارضوهم في فكرهم، رموهم بالكفر لأن من لم يكفر الكافر فهو كافر، ولأن المجتمع جاهلي فقد وقعت المأساة داخل علاقاتهم الأسرية، إذ إن تكفير المجتمع تأدى بهم إلى تكفير آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم. 

وفي هذه الأثناء العصيبة، ألف المرشد العام للإخوان المسلمين المستشار حسن الهضيبي كتابه الشهير "دعاة لا قضاة" لمناقشة هذا الفكر التكفيري المنحرف، والرد على دعاته، فرجع منهم طائفة، ولكن بقيت طائفة مصرة على رأيها تحت قيادة شاب عرف بعناده وتشدده، وهو المهندس الزراعي مراد شكري الذي أصبح فيما بعد أمير جماعة المسلمين كما سموا أنفسهم أو جماعة الهجرة والتكفير كما أطلق عليهم إعلاميا.

أبرز شخصيات الجماعة. 

أولا: مراد شكري .

من مواليد سنة 1942 م، قرية الحواتكة، مركز أسيوط، مصر. 

والذي عرف عنه وهو صغير أنه كان انطوائيا منبوذا من جميع زملائه في الدراسة، وعرف عنه بعض التعثر في دراسته. 

وهذا الخلل الذي ظهر في هذه النفسية المضطربة منذ الصغر ترك فيها تشوهات لازمت صاحبها إلى مراحل الرجولة، وتركت ظلالها على مجموع شذوذاته الفكرية التي طرحها فيما بعد كما سنرى.

فأصحاب المدرسة النفسية يرجعون الإرهاب _ كغيره من أنواع السلوك الأخرى _ إلى أسباب نفسية خالصة كثيرا ماتكمن في الشخصية والعقل الباطن أو اللاشعور. 

فالطلبة الذين يضيقون بالدراسة، والعامل الذي تعذب ولم يستطع تحقيق أهدافه في الحياة من السهل أن ينخرط في العمل الإرهابي ضد الناس والأغنياء والآمنين. 

وتؤدي العزلة التي يعيشها الشباب في بداية دخولهم إلى التدين غير المستنير إلى الانغلاق التام، فالتطرف مما يساعد على الدخول في دائرة التضليل من قبل أمراء الإرهاب. 

وفي دراسة علماء النفس والاجتماع عن حرب فيتنام وأثرها على الشباب، وجد أن العنف لدى هؤلاء الشباب نبع من الإحباط والشعور بالفشل والهزيمة، فتولد لديهم الرغبة في الخروج على المجتمع، وتكوين جماعات إرهابية. 

في سنة 1965 م تم اعتقال شكري بسبب انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، وهو مايزال طالبا في الجامعة، وتم الإفراج عنه في أواخر سنة 1971 م. 

وكان شكري داخل السجن _ كما وصفه زملاؤه _ عصبي المزاج، يميل إلى الغلو والتشدد في جميع أمور حياته، يكثر من تجريح من حوله من الناس إذا خالفوا رأيا من آرائه.

ولهذا كان داخل السجن كما كان خارجه منبوذا من زملائه .

يقول صديقه وعضو تنظيمه عبد الرحمن أبو الخير: "كان الشيخ شكري في معتقل طرة السياسي منبوذا من أكثر الإخوان " .

ويقول أصدقاء شكري: "إنه كان شديد الثقة بنفسه، لا يتراجع عن رأي رآه، مهما كلفه ذلك من تضحيات وخسائر، وكان يحتقر آراء الآخرين ولو كانت بالغة الأهمية ومصحوبة بالأدلة الشرعية، وكان غروره يزداد مع مرور الزمن، وكثرة الصراعات مع الآخرين".

ويقول أبو الخير أيضا: "كنت أعلم أن الذي يؤجج في نفسه الحركة من أجل هذا الهدف هو ذاته، لقد كان تواقا لأن ينجح كأمير، وكان يطرب في نفسه عندما يشيع أمره في دولة ما، قال لي ذات مرة: نحن موجودون في الأردن، والحكومة هناك تعلم ذلك، قالها بنبرة سعيدة تخلو من حسبان العواقب" .

إن عشق النجاح ولو عبر الجماجم، والاعتداد بالنفس إلى حد الجنون هي سمة الموتورين وأصحاب العاهات النفسية عبر التاريخ، لذلك كان شكري مصطفى مستبدا بالرأي إلى حد الصلف، وكان نزقه وقصر نظره عن رؤية العواقب يرسمان في مخيلته صورة أمير المؤمنين القادم الذي ستمتد حدود خلافته إلى أطراف العالم الإسلامي الفسيح. 

وفي سبيل ذلك كان لايقبل إلا بأن تساق إليه آراء أتباعه في طاعة عمياء دون تردد، وادعى لنفسه حقوقا لاتكون إلا للأنبياء .

ثانيا: الشيخ علي إسماعيل 

وهو المؤسس الأول الفعلي والمنظر الحقيقي لجماعة الهجرة والتكفير .

وهو أحد خريجي الأزهر، وشقيق الشيخ عبد الفتاح إسماعيل أحد الستة الذين تم إعدامهم مع الأستاذ سيد قطب.

قام الشيخ علي إسماعيل من داخل المعتقل بصياغة مبادىء العزلة والتكفير لدى الجماعة ضمن أطر شرعية حتى تبدو وكأنها أمور شرعية لها أدلتها من الكتاب والسنة، ومن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في الفترتين المكية والمدنية متأثرا بأفكار الخوارج .

وترجع جذور هذه القضية إلى سنة 1967 م حينما طلب رجال الأمن من جميع الدعاة المعتقلين تأييد رئيس الدولة ورمز النظام المصري.

سارعت فئة من المعتقلين إلى تأييد الرئيس ونظامه.

أما جمهورهم فقد لجأوا إلى الصمت، ولم يعارضوا أو يردوا واعتبروا أنفسهم في حالة إكراه .

بينما رفضت فئة قليلة من الشباب، وأعلنت بأن رئيس الدولة كافر لا يختلف عن أبي لهب وأبي جهل، ولم يقف هؤلاء عند هذا الحد، وإنما زعموا بأن الذين أيدوا السلطة من إخوانهم مرتدون عن الإسلام، وأن المجتمع بأفراده كفار لأنهم موالون للحكام، ولا ينفع الناس صلاة ولا صوم إذا كان ولاؤهم لغير الله تعالى .

كان إمام هذه الفئة الشيخ علي إسماعيل، ولكنه بعد حين رجع إلى رشده، وتاب عن أفكاره الخارجية المنحرفة، وأعلن براءته منها، ولكن الشاب شكري مصطفى سارع إلى اتهام شيخه بالكفر، وتولى بعده إمامة الصلاة. 

ثالثا: ماهر عبدالعزيز زناتي 

أبو عبدالله ابن شقيقة شكري مصطفى ونائبه في قيادة الجماعة بمصر، وكان يشغل منصب المسؤول الإعلامي للجماعة، أعدم مع شكري سنة 1977 م وله كتاب الهجرة .

معتقدات وآراء الجماعة.

إن التكفير عنصر أساسي في أفكار ومعتقدات الجماعة. 

فهم يكفرون كل من ارتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها، وكذلك يكفرون حكام المسلمين بإطلاق، ويكفرون المحكومين لأنهم في رأيهم رضوا بهم وتابعوهم، أما العلماء فإن يكفرونهم لأنهم بزعمهم لم يكفروا هؤلاء ولا هؤلاء. 

كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله، أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم، أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم، وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين. 

وكل من أخذ بأقوال الأئمة الأربعة أو إجماع الصحابة أو قال بالقياس أو المصلحة المرسلة أو نحوها فهو كافر. 

العصور الإسلامية بعد القرن الرابع الهجري كلها عصور كفر وردة وجاهلية لتقديسها صنم التقليد المعبود من دون الله، فعلى المسلم أن يعرف الأحكام بأدلتها، ولايجوز لديهم التقليد في أي أمر من أمور الدين.

كل المجتمعات الحالية هي مجتمعات جاهلية، والعزلة المعنية عندهم هي عزلة مكانية، وعزلة شعورية، بحيث تعيش الجماعة في بيئة تتحقق فيها الحياة الإسلامية الحقيقية برأيهم كما عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في الفترة المدنية. 

يجب على المسلمين في هذه المرحلة من عهد الاستضعاف الإسلامي أن يمارسوا المفاصلة الشعورية لتقوية ولائهم للإسلام من خلال جماعة المسلمين"الهجرة والتكفير"، وفي الوقت ذاته عليهم أن يكفوا عن الجهاد حتى تكتسب القوة الكافية. 

لا قيمة عندهم لأقوال العلماء المحققين، وأمهات كتب التفسير والعقائد لأن كبار علماء الأمة في القديم بزعمهم مرتدون عن الإسلام. 

أطلقوا أن الدعوة إلى محو الأمية دعوة يهودية لشغل الناس بعلوم الكفر عن تعلم الإسلام، فما العلم إلا ما يتلقونه في حلقاتهم الخاصة. 

قالوا بترك صلاة الجماعة والجمعة في المساجد، لأن مساجد المسلمين كلها مساجد ضرار لايجوز الصلاة فيها إلا إذا كان الإمام منهم. 

يزعمون أن أميرهم شكري مصطفى هو مهدي هذه الأمة المنتظر، وأن الله تعالى سيحقق على يد جماعته مالم يتحقق على يد محمد صلى الله عليه وسلم من ظهور الإسلام على جميع الأديان. 

وعليه فإن دور الجماعة يبدأ بعد أن تدمر الأرض بمن عليها بحرب كونية بين الولايات المتحدة وروسيا تنقرض بسببها الأسلحة الحديثة، ويعود القتال كما كان في السابق بالسيوف والرماح. 

ادعى زعماء الجماعة أنهم بلغوا درجة الإمامة والاجتهاد المطلق، وأن لهم أن يخالفوا الأمة كلها وما أجمعت عليه سلفا وخلفا .

لا قيمة عندهم للتاريخ الإسلامي لأن التاريخ هو أحسن القصص الواردة في القرآن الكريم فقط .

نهاية جماعة التكفير 

إن سنة الله تعالى الماضية في الغلو والتطرف أن عاقبته إلى زوال، لأنه ببساطة ضد السماحة والاعتدال وهي معان مركوزة في الفطرة البشرية، وكذلك كان الحال مع جماعة الهجرة والتكفير كدأب أسلافهم من طوائف الخوارج الأولين الذين جنى عليهم تطرفهم، وأطاح بهم تشددهم وصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلما ظهر قرن منهم قطع" وردد ذلك أكثر من عشرين مرة. 

ففي سنة 1971 م أفرج عن مصطفى شكري، ومن ثم بدأ التحرك في سبيل تكوين الهيكل التنظيمي لجماعته على وفق ما رسمه من مناهج وأفكار، ومعتقدات قد ترسخت في ذهنه إبان فترة السجن العنيفة، ولذا تمت مبايعته أميرا للمؤمنين، وقائدا لجماعة المسلمين، فعين أمراء للمحافظات والمناطق، واستأجر العديد من الشقق كمقار سرية للجماعة بالقاهرة والإسكندرية والجيزة وغيرها.

وفي سبتمبر 1973 م أمر بخروج أعضاء الجماعة إلى المناطق الجبلية، واللجوء إلى المغارات بعد أن تصرفوا بالبيع في ممتلكاتهم، وزوّدوا أنفسهم بالمؤن اللازمة، والسلاح الأبيض، تطبيقا لمفاهيمهم الفكرية حول الهجرة، وإيجاد المجتمع المسلم والبيئة الصالحة بعيدا عن المجتمع الجاهلي الكافر بزعمهم.

وفي 26 أكتوبر 1973 م اشتبه في أمرهم رجال الأمن المصري، فتم إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة.

وفي 21 أبريل 1974 م عقب حرب أكتوبر 73 صدر قرار جمهوري بالعفو عن شكري وجماعته، إلا أنه عاود نشاطه مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصورة مكثفة أكثر من ذي قبل، حيث عمل على توسيع قاعدة الجماعة، وإعادة تنظيم صفوفها، وقد تمكن من ضم أعضاء جدد للجماعة من شتى محافظات مصر، كما قام بتسفير مجموعات أخرى إلى الخارج، بغرض التمويل، مما مكن من انتشار أفكارهم في أكثر من دولة.

هيأ شكري مصطفى لأتباعه بيئة متكاملة من النشاط، وشغلهم بالدعوة والعمل، والصلوات والدراسة ومن ينحرف من الأعضاء يتعرض لعقاب بدني، وإذا ترك العضو الجماعة اعتبر كافرا، حيث اعتبر المجتمع خارج الجماعة كله كافرا، ومن ثمة يتم تعقبه وتصفيته جسديا.

بعد فصول طويلة الذيول ليس هذا مجال الخوض في تفاصيلها ارتكبت الجماعة جريمة خطف وقتل الدكتور الشيخ محمد حسين الذهبي أحد أشهر علماء الأزهر، وكان وزير أوقاف سابق وهو مؤلف كتاب"التفسير والمفسرون" الذي يعتبر من أهم المصادر في مجال الدراسات القرآنية، وكان ذلك في بداية الشهر السابع من سنة 1977 م .

وبعد العثور عليه ميتا تم القبض على المئات من أفراد الجماعة وتقديمهم للمحاكمة التي قضت بإعدام خمسة من قياداتها، وعلى رأسهم شكري مصطفى، وماهر عبد العزيز، وأحكام بالسجن لمدد متفاوتة على بقية أفرادها.

وفي 30 مارس 1978 م تم تنفيذ حكم الإعدام في شكري وجماعته. 

وبالقضاء عليهم أسدل الستار على فصل من فصول الجهل والإساءة إلى حقيقة هذا الدين وروحه السمحة، لكن الفكر الإرهابي المتطرف لا تخمد ناره في صقع من أصقاع العالم الإسلامي المنكوب بأسباب الجهل والتخلف والاستبداد، إلا واستعرت في صقع آخر، مما يضاعف من مسؤوليات أهل العلم والفكر في هذه الأمة بالدرجة الأولى.

وجماعة شكري وإن قضي على رؤوس الفتنة فيها، وأودع الباقون السجن، إلا أن تاريخ الفرق في الإسلام يشهد على أن الآراء المنحرفة هي أشبه ماتكون بالخلايا السرطانية في قدرتها على التشكل والانبعاث من جديد، وكذلك كان الحال مع جماعة شكري التي انتقلت أفكارها إلى جماعة "الناجون من النار" التكفيرية المتطرفة، وجماعات التوقف والتبين.

وأخيرا إن العلماء والدعاة مسؤولون _ كما يقول الشيخ محمد سرور _ عن دراسة الأجواء والظروف التي نشأت فيها مثل هذه الأفكار المنحرفة، كما أنهم مسؤولون عن تحصين الصف الإسلامي بالعلم والمعرفة، لأن الجهل مرتع خصب لدعاة الهدم والتخريب. 

ولو تنادى المصلحون وتآزروا لعلاج الخلل في الأمة لما تمكن شاب جاهل من وضع أصول جديدة في دين الله، وتجميع مئات الشباب حول أهوائه وضلالاته. 

للموضوع مراجع

  • print