لم تكن كلها نكبة

date 2017/05/16 views 1369 comments 0

لم تكن السنوات السبعون السابقة كلها نكبة رغم قسوة ما مرّ بها.. صحيحٌ أنها كانت الزلزال الرهيب الذي أودى بسكان بلد الى خارج مساكنهم ومرابعهم في ذات يوم من شهر ماي أيار 1948 وجاء بشذاذ الآفاق مدعومين من الاستعمار الغربي الى مدن فلسطين وقراها وارضها ومقدساتها الانسانية.. وصحيح ان سجل العنصرية الصهيونية تحبر بذكريات المجازر في قبية والرملة ودير ياسين وخانيونس ويافا.. وصحيح ان المهجرين الفلسطينيين لم يجدوا على مدار قرن من يحتويهم ويشد من ازرهم ويداوي جراحهم الا القليل من العرب.. فلا زالت مخيماتهم تئن في لبنان لتكون هي الوجه النقيض لبلد السياحة والحريات.. وفي سواه من شتات في دول العرب عليهم ان يضبطوا مشاعرهم مع الحاكم العربي وان يبدِّلوا مواقفهم كلما تبدل الحاكم العربي وتلاحقهم محاسبات بأثر رجعي.. صحيح انها مراحل قاسية وصعبة.. ولكن لم تكن السنوات السبعون كلها نكبات.

في هذه السنوات سجلنا انتصارا اسطوريا في الجزائر.. انتصار عكس التيار ولكنه مع حركة التاريخ.. انتصار له اكثر من دلالة لعل اولها على الاطلاق انه يبعث بإشارة واضحة تماما ان المشروع الصهيوني الاحلالي الاستيطاني لن ينجح مهما بذل من جهود ولهم فيما حصل في الجزائر خير دليل؛ فبعد قرن وثُلث قرن من الزمان وقد ظن الكولون ان الجزائر فرنسية واخذوا من الجزائر كل شيء وحولوا الجزائريين إلى خمَّاسين في بلادهم وبنوا المدن والمداشر والمزارع لكي يعلنوا بوضوح ان البحر المتوسط فقط هو ما يفصل بين الجزائر وفرنسا.. جاءت الثورة الجزائرية لتوقع بعد قرن وثلث ان الاستعمار الاستيطاني الاحلالي فشل وهاهو يخرج بكل تبعاته من الارض الجزائرية وها هي الجزائر تعود حقيقة لا يختلف حولها إلا أعمى.. فكانت الجزائر في هذه العقود مرتكزا نفسيا وماديا اساسيا في التعامل مع الموضوع الفلسطيني.

وفي هذه السنوات هبّ ابناء فلسطين وسجلوا ملاحم بطولية في ثورة المستحيل التي التأمت صفوف طليعتها من قطاع غزة ومخيمات الشتات بلبنان وسورية والضفة الغربية لتقتحم بالنار والسلاح مَواطن الأمن الصهيوني فكانت ملحمة الكرامة 1968 حيث تجاوز الفلسطينيون هزيمة النظام العربي وتقدموا يشعلون النار تحت اقدام المحتل بالارض المحتلة وبعد ان تآمر النظام العربي عليهم سنة 1970 واخرجوهم من الاردن بعد مجزرة ايلول.. وكان للجندي العربي المصري والسوري والعراقي والجزائري صفحة عز ومجد في 1973 لولا فوضى البعض لكانت بداية سجلّ الانتصارات.. وكان الجنوب اللبناني شاهدا على بطولات المقاومة الفلسطينية التي جسّدت قلعة شقيف 1982 رمزا لها في مواجهة عدو مدجج بالجريمة ودعم الغربيين الاستعماريين.. وكانت الانتفاضة الاولى والثانية وكان صمود غزة واقتدارها على قصف تل ابيب واغلاق مطار بن غوريون 2014 كما كانت للمقاومة اللبنانية دورها المميز في مواجهة العدوان الصهيوني.

ولكننا نقرر أننا بعد 69 سنة نقف على أطلال نكبتنا بفلسطين نكتشف اننا منكوبون في انظمتنا السياسية وأننا منكوبون في العقيدة العسكرية لجيوشنا وأننا منكوبون في منظومة افكارنا واننا منكوبون في فهم ديننا واننا منكوبون في نخبنا الثقافية والسياسية والاعلامية.

نقف مزودين بالخيبات وبالانتصارات والتضحيات مقررين ان الاتجاه في غير فلسطين ضلال وتيه.. في لحظة الاشتباكات الكبرى مع الاستعمار في سورية والعراق ولبنان وليبيا وسواها.. وفي ظل انبراء طلائع الأمة لمقارعة المستعمرين في كل مكان لا نملك إلا التفاؤل.. تولانا الله برحمته.

  • print