سكناتٌ بأموال المصلين!

date 2017/05/18 views 3838 comments 5

الاقتراح الذي تقدمت به بعض الأطراف المحسوبة على وزارة الأوقاف، بخصوص إنجاز سكنات وظيفية على أنقاض الحدائق ومساحات ركن السيارات الموجودة في محيط المساجد، بأموال المصلين، هو سابقة في العالم، وربما في التاريخ.

وبغض النظر عن الاختلاف الفقهي الأزلي، عن مدى أحقية الإمام أو الداعية أو مدرّس القرآن الكريم في تقاضي مرتب، نظير تعليمه الناس مبادئ الدين الحنيف، أو دعوتهم للصلاة، وبغض النظر عن الاختلاف الدائر حاليا حول الطرق التي تختار بها نظارات الشؤون الدينية في مختلف الولايات أئمة المساجد، فإن الإمام أو المؤذن، هو مواطن عادي، من حقه الحصول على السكن بكل صيغه، لكن أن تحوّلَ صدقاتُ المصلين إلى بناء مساكن للأئمة وتُسمى "وظيفية" فذاك ما قد يثير فتنة، عندما يشعر المتصدق بماله، بأنه مساهمٌ في المسكن، وقد يعطي لنفسه الحق في توقيف هذا الإمام أو طرده من مسكنه الذي ساهم في بنائه!

لا نفهم لماذا تصرّ مختلف الحكومات المتعاقبة على أن تُبقي مَهمة بناء المساجد شأناً يخص المواطنين، هم من يختاروا المكان وهم من يجمعوا الأموال، ثم تضخ ميزانية لمرتب الإمام والقيّم الذين تختارهما، وبدلا من أن تسترجع هيبتها في التكفل بالمساجد كما تكفلت ببناء المدارس والمستشفيات والملاعب والمسارح، طرحت فكرة، ليتكفل المحسنون والمتصدقون ببناء المساكن "الوظيفية"، وقد تقترح تحويل الصدقات وأموال المحسنين لشراء سيارات وظيفية والتكفل بسفريات التكوين داخل وخارج الوطن، وربما مرتبات للرقاة الذين صار عددُهم أكبر من عدد الأئمة وربما حتى من المصلين، ويبقى هذا القطاع الحساس رهينة لهذا الفراغ القانوني الذي عمّر طويلا.

يتفق الجزائريون على أن الأزمة، التي صاروا يعانون منها، ليست مالية ووليدة انهيار أسعار النفط، فهم لم يعرفوا البترول في قرون سابقة، ولن يعرفوه بعد نصف قرن على أحسن تقدير، ويتفقون على أن الوازع الديني، الذي لعب دورا في مختلف الثورات التي أعلنها الجزائريون على الاستعمار الفرنسي، بإمكانه أن يمكّنهم من مختلف الأزمات التي يعانون منها، ولكن أن تبقى ميزانية الدولة الكبيرة جدا، بعيدة عن بناء المساجد، وجهود الدولة بعيدة عن تعيين مفتي للديار الجزائرية، ثم تُقحم المواطنين في عمليات تشييد المساجد وبناء مساكن لموظفي الوزارة، فإنها هنا ستُبقي هذا القطاع بعيدا عن الحل، إن لم تدفعه ليكون جزءا من المشكلة، فسيعلم الإمام بأن الدولة التي بنت في العشرية الأخيرة قرابة أربعة ملايين سكن، وضعته ضمن المعنيين بالصدقات، أو العاملين عليها كما جاء في القرآن الكريم، وربما هذا الذي جعل دور الإمام في الجزائر، مجرد موظف يؤدي عمله وينتظر المقابل المادي والذي منه سكنا، فيُحسن حينا ويسيء في غالب الأحيان، مثل كل الموظفين في الجزائر الذين صاروا يملئون فراغ مكان بتواجدهم البدني.. فقط. 

  • print