خبراء في القانون الدستوري يقرأون للشروق لقاء الوزير الأول بقادة الأحزاب:

سلال سيسلم للرئيس تقريرا حول مشاورات "الحكومة الموسعة"

date 2017/05/18 views 5765 comments 5
author-picture

icon-writer إعداد: محمد مسلم / أسماء بهلولي / إيمان كيموش

كشفت اللقاءات التي جمعت الوزير الأول عبد المالك سلال بعدد من قادة الأحزاب السياسية عن رغبة السلطات في استعادة وجود حركة مجتمع السلم داخل الحكومة بعد خمس سنوات من مغادرتها بعد فك الارتباط مع التحالف الرئاسي، غير أن الجدل الذي أثير لم يكن يتعلق بمشاركة "حمس" في الحكومة، بل بمدى دستورية الخطوة التي أقدم عليها سلال، والتي خلفت تراشقا بين المؤيدين لهذه الخطوة والمعارضين لها.

وبينما اعتبر البعض ما قام به سلال مجرد استشارة بناء على توجيهات من داخل مصادر صناعة القرار لجس نبض أكبر الأحزاب الممثلة في الغرفة السفلى للبرلمان، تحسبا لبلورة توجه ينزع نحو توسيع القاعدة السياسية للحكومة المقبلة، نأت أحزاب لم تكن طرفا في هذه المشاورات، بنفسها، ورمت خطوة سلال بغير الدستورية؟

فماذا يقول الدستور فيما قام به سلال؟ وهل تلك الخطوة كانت شخصية أم بتكليف من الرئاسة؟ وما هو مصير نتائج هذه المشاورات؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول الملف السياسي لهذا العدد الإجابة عليها. 

 

"الخرجة" أربكت المشهد السياسي

مشاورات سلال.. ومواصفات الحكومة المقبلة

حت المشاورات التي أطلقها الوزير الأول عبد المالك سلال المنتهية عهدته (دستوريا)، مع الأحزاب السياسية لتشكيل حكومة ما بعد التشريعيات، جملة من التساؤلات حول حيثياتها وظروفها، لاسيما وأنها جاءت على غير ما ألفه الجزائريون في استحقاقات من هذا القبيل. 

وكما هو معلوم فقد التقى سلال، كما جاء على لسان ولد عباس، بعدد من الأحزاب السياسية الموالية وفي مقدمتها حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة الشعبية وتجمع أمل الجزائر (تاج)، كما التقى أيضا بتحالف حركة مجتمع السلم، التي يتجاذبها تياران، الأول يحلم بالعودة إلى خيار المشاركة بعد غياب عنه دام خمس سنوات ويقوده الرئيس السابق، أبو جرة سلطاني، والثاني يدفع نحو تكريس النهج الحالي، ويقوده رئيسها الحالي عبد الرزاق مقري.

ومثل ما تناقلته مختلف الأوساط السياسية والإعلامية فالمشاورات كانت حول تشكيل حكومة ما بعد التشريعيات، ومثل هذه المشاورات في الأعراف الدستورية، عادة ما يسبقها تكليف رسمي من قبل رئيس الجمهورية، يعمم على وسائل الإعلام، ولكن بعد أن يتم ترسيم نتائج الانتخابات التشريعية من قبل المجلس الدستوري، غير أن الحالة التي نحن بصددها لم تكن وفق ما عهده الجزائريون، فليس هناك تكليف رسمي معلن، كما أن هذه المشاورات سبقت الترسيم النهائي لنتائج الانتخابات من قبل المجلس الدستوري.

هذه المعطيات خلفت مواقف متباينة من قبل الفاعلين في الطبقة السياسية، فالكثير منهم استهجنوا ما يقوم به سلال هذه الأيام، في حين أن البعض اعتبر تلك المشاورات طبيعية وتندرج في صميم عمل الوزير الأول، الذي ليس هو من يقرر في النهاية، كما أنه من غير المعقول أن يبادر سلال بعمل كهذا من دون أن يتلقى الضوء الأخضر من صناع القرار.

المنتقدون لمشاورات سلال يقولون إن الخطوة تعتبر خرقا للدستور، في ظل غياب تكليف معلن من قبل من يملك صلاحيات التكليف أي رئيس الجمهورية، ومن ثم فهم يتبرأون من أية نتائج قد تنبثق عن تلك المشاورات.

أما فالمدافعون عن مشاورات سلال وفي مقدمتهم الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس، فيقولون إن ما يقوم به الوزير الأول المعاد تكليفه (...) هي مجرد استشارة وليست مشاورات حول تشكيل الحكومة، ولذلك فقد سارع المكتب السياسي للجبهة، لتوفير الغطاء السياسي لتلك المشاورات، من خلال البيان الذي أصدره بحر هذا الأسبوع، والذي رحب بـ"قرار توسيع الحكومة لتشمل بعض التشكيلات السياسية لمواصلة تنفيذ برنامج الرئيس بوتفليقة".

هذا الدعم يعتبر موقفا طبيعيا بحكم انتماء الوزير الأول للحزب العتيد، ورسالة للغريم التجمع الوطني الديمقراطي، الذي وجه على لسان أمينه العام، أحمد أويحيى، لسعة لسلال عندما قال إن حزبه ليس بحاجة لمشاورات من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، في رسالة لها أكثر من دلالة.

وبغض النظر عن وجاهة هذين الموقفين، فالمسألة مرتبطة بالنصوص الدستورية المنظمة لسير عمل الجهاز التنفيذي وتوزيع الصلاحيات داخله، بين رئيس الجمهورية الذي يسيطر على كل مراكز صناعة القرار، وبين وزير أول لا يتعدى دوره التنسيق بين وزراء حكومته، برغم محاولة المشرّع مراجعة هذه العلاقة في دستور فيفري 2016.

فالدستور الجديد أعطى الأغلبية البرلمانية حق قيادة الحكومة، لكنه لم يلزم القاضي الأول باختيار الوزير الأول من قبل الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد، وهذا يعني من بين ما يعنيه أن سلال وبحكم انتمائه لحزب جبهة التحرير الوطني، الحاصل على 164 مقعد قد يقود الحكومة المقبلة، إلا أنه وفي غياب تكليف رسمي ومعلن من قبل القاضي الأول، قد لا يرأس الوزارة الأولى المقبلة، كما يمكن أن لا يؤخذ بنتائج مشاوراته مع الأحزاب الخمسة السالفة الذكر.   

 

السيناتور السابق والخبير في القانون الدستوري بوجمعة صويلح:

استشارة سلال لا تعني بالضرورة قيادته الحكومة المقبلة

أثير جدل كبير هذه الأيام بشأن المشاورات التي قام بها سلال مع الأحزاب السياسية من أجل تشكيل الحكومة المقبلة.. فكيف يتم تعيين الوزير الأول في الدستور الجديد؟

في كل الحالات القانون الجزائري واضح، وهو أن رئيس الجمهورية هو من يعين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية بعد استشارتها، كما أنه ليس بالضرورة أن يأخذ برأيهم، فالمشرع الجزائري يخول لرئيس الجمهورية كافة الصلاحيات في تعيين الوزير الأول، وكذا أعضاء طاقمه الحكومي، وفي الحالة التي نعيشها اليوم، الأغلبية البرلمانية غير متوفرة وليس هناك أغلبية مطلقة بالنظر إلى نتائج التشريعيات الأخيرة التي أظهرت تقاربا كبيرا بين الأحزاب السياسية في عدد المقاعد المحصل عليها.

 

ما هو متعارف عليه، هو أن بعد الانتخابات التشريعية يقدم الوزير الأول استقالته للرئيس وبعدها يقوم هذا الأخير بتجديد الثقة في الوزير الأول أو يمنحها لشخص آخر، فهل هذا التقليد تم احترامه، أم أن الأمر يتعلق بمعطيات جديدة؟

نفس الشيء بالنسبة للتشريعيات والحالات العادية الأخرى، الرئيس لديه كافة الصلاحيات القانونية التي منحها له الدستور الجزائري، فهو من يقوم بتعين الوزير الأول وهو من يكفله بالمشاورات مع الأحزاب السياسية لتشكيل حكومة جديدة، وبالتالي من المنطقي والطبيعي أن نرى سلال هو من يقود هذه الاتصالات. 

 

إذن، لماذا أثير كل هذا النقاش والجدل حول المشاورات التي أطلقها سلال بشأن تشكيل الحكومة الجديدة؟

أعود وأقول إن الأمر يخص القاضي الأول دون سواه، فرئيس الجمهورية هو من كلف سلال بقيادة المشاورات غير الرسمية مع قيادات الأحزاب السياسية المعنية بتشكيل الحكومة المقبلة، ويراد من ذلك جس نبض الطبقة السياسية لمعرفة مدى رغبتها واستعدادها للمشاركة في الحكومة الجديدة، وبالتالي فهذه العملية التي يقودها الوزير الأول يمكن إدراجها في إطار العمل التحسيسي الذي يراد من خلاله البحث عن فريق أو تحالف جماعي سيرسم معالم الحكومة الجديدة، أو على الأقل بناء تصور واضح حول طبيعة وهوية الحكومة المقبلة.

 

هناك جدل كبير حول هذه المشاورات، هناك من يقول إنها جاءت بتكليف من الرئيس، في حين يقول البعض إن سلال قام بمبادرة شخصية خارج نصوص الدستور المعدل، ما تعليقكم؟

في الحقيقة، لا يمكن الحديث باسم أية جهة رسمية، لكن أعتقد أن ما قام به الوزير الأول من مشاورات، كان بتكليف من رئيس الجمهورية عبر تكلفيه، فأنا لا أظن أن سلال يقوم بعمل من هذا القبيل من دون تكليف من الجهة المخولة، وأعتقد أن هذا في حد ذاته يدخل في إطار التفاهم والتنسيق بين الرئيس والوزير الأول في إطار غير رسمي كان من قبل، وهنا أعود وأؤكد، استبعد أن يكون الوزير الأول عبد المالك سلال قام بهذه الاتصالات بمحض إرادته. 

 

من موقعكم كسياسي وكخبير في القانون الدستوري، ما هي القراءة التي يمكن تقديمها بهذا الخصوص؟

أرى أن توسيع الوزير الأول مشاوراته مع الطبقة السياسية حول طبيعة الحكومة المقبلة بمجرد الإعلان عن نتائج التشريعيات، يكشف عن رغبة السلطة الملحة من أجل توسيع التمثيل الحكومي والدفع بكل الوسائل لترقية النماء الديمقراطي، وهذا لا يمكن أن يكون إلا عبر تشكيل حكومة سياسية بقاعدة موسعة تضم كل الأطياف الحزبية الفائزة في هذه التشريعيات، وهو ما ظهر من خلال دعوة أحزاب سياسية محسوبة على المعارضة لتكون ضمن الطاقم الحكومي الجديد، وبغض النظر عن امتناعها أو قبولها هذا في حد ذاته دليل على رغبة في ترقية الفعل السياسي في البلاد.  

 

هل تعتقدون أن ما يقوم به سلال من مشاورات هو إشارة واضحة على أن الرئيس سيعيد الثقة فيه مجددا؟

في الحقيقة هذه مجرد تخمينات ولا يمكن الجزم بها نهائيا، وإن حدث وتمت إعادة الثقة فيه سيكون أيضا من صلاحيات الرئيس الذي له القرار في تمديد عهدة وزيره الأول أو إنهائها وتعيين آخر في مكانه، وفي كلتا الحالتين، لا يعني ذلك أن قيادة سلال للمشاورات هو جزم بتعيينه وزير أول.  

 

الخبيرة في القانون الدستوري فتيحة بن عبو:

ما أثير عن استشارة سلال نقاش خاطئ

باشر الوزير الأول عبد المالك سلال منذ أيام مشاورات مع بعض الأحزاب لتشكيل الحكومة الجديدة.. ما تعليقكم؟

أعتقد أن فتح نقاش في هذا الملف أصلا أمر خاطئ، وغير مؤسس، ومجرد حديث صحف، فالقانون والدستور كانا واضحين في هذه الأمور منذ البداية، كما أن الانتخابات التشريعية لا تلزم بالضرورة بفتح نقاشات حول تجديد الحكومة، وتعيين وزراء جدد، لأن أصلا، التشريعيات لا ينبثق عنها برنامج جديد، على غرار ما هو عليه الوضع في الرئاسيات، وبالمختصر المفيد تعيين الحكومة أو الإبقاء على نفس الحكومة من صلاحيات رئيس الجمهورية دون سواه، وهو المخول الوحيد للفصل في الملف، ومن ثم فما يقوم به سلال مجرد تدخلات لا مكان لها وسط القرارات التي قد تتخذ، فالقانون يمنح هنا كافة الصلاحيات، لأن السلطة المطلقة هنا للرئيس.

 

مثل هذه المشاورات عادة ما تأتي بعد ترسيم المجلس الدستوري لنتائج الانتخابات التشريعية وتنصيب المجلس الشعبي الوطني الجديد.. لماذا جاءت هذه المرة قبل ذلك؟

الاستشارة قد تكون قبل أو بعد ترسيم المجلس الدستوري لنتائج التشريعيات، وتنصيب المجلس الشعبي الوطني، فبرمجتها بشكل سابق أو آنف ليس هو ما يهمنا اليوم، وهنا أعود لأقول إن الفصل في هذا الأمر بيد الرئيس والرئيس وحده، هي مجرد استشارة فقط ولا تلزم أعلى سلطة في البلاد في شيء، وليست مشاورات مثلما يتم الترويج لها، لأن أصلا البرنامج الذي سيتم تطبيقه هو برنامج الرئيس وليس برنامج الأحزاب أو المنتخبين الجدد، وأصلا إذا أردنا التفصيل أكثر في الملف، فالبرلمان نشاط سياسي ولا يقترح برنامجا للتطبيق، وهنا أضرب مثلا بالانتخابات السابقة حينما قرر رئيس الجمهورية تنصيب عبد الوهاب دربال على رأس اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات، ذلك لم يكن إلزاميا ولا مشاورات مع الأحزاب، لأن الرئيس سبق وأن اتخذ قرارا بتعيينه، ولكن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد استشارة غير ملزمة في شيء لرئيس الجمهورية، فحتى إن رفضت الأحزاب شخصية دربال، كان الرئيس يملك سلطة الإبقاء عليه.

 

ماذا يقول الدستور بخصوص هذه القضية؟

الدستور لا يفرض لا الاستشارة ولا المشاورة، وإن قام بها الرئيس فهذا لإرضاء الأغلبية وليس كقاعدة من قواعد الدستور.

 

هل تعتقدون أن ما حدث كان بمبادرة من الوزير الأول، أم بتكليف من رئيس الجمهورية؟

مستحيل أن تكون المشاورات التي باشرها الوزير الأول عبد المالك سلال مبادرة شخصية منه أو بناء على رؤيته هو، فالقانون والدستور في الجزائر لا يميل إلى كفة سلطة تنفيذية برأسين من قبيل أن رئيس الحكومة ينازع رئيس الجمهورية في صلاحياته، يستحيل أن يكون للوزير الأول برنامج وصلاحيات، وهنا أعود لأقول إن الوزير الأول ما هو إلا منسق فقط بين أفراد الطاقم الحكومي، بمعنى ليس رئيسا للحكومة، فهذه الإجراءات تغيرت بمراجعة الدستور سنة 2008، وصلاحية كل طرف باتت واضحة بدقة، وبالمختصر المفيد سلال تحرك بأمر من الرئيس بوتفليقة.

 

إذن، ما هي القراءة التي يمكن تقديمها لما قام به سلال؟

القراءة الوحيدة التي يمكن تقديمها لما قام به الوزير الأول هو أنه كلف بإجراء استشارات مع بعض الأحزاب، ثم سيقوم بتسليم تقريره حول فحوى ما دار بينه وبين الأحزاب لرئيس الجمهورية، هذا الأخير قد يوافق على كل ما جاء في هذا التقرير ويمرر ما يتفق عليه في الاستشارات بنسبة مائة بالمائة، كما قد يرفضه ويتخذ قرارات مناقضة لذلك بصفة كلية، وقد يأخذ ببعض ما جاء في هذه الاستشارات ويترك نقاطا أخرى، وأنوه من جديد إلى أن الرئيس يمتلك صلاحيات حصرية في تعيين الحكومة وإقالتها، والأمر ليس مرتبطا بالضرورة بالتشريعيات، فقد عشنا فيما مضى تعديلات حكومية متتالية في بضعة أسابيع فقط، والأمر ليس بجديد.

  • print