لماذا "ذاكر نايك" بالذّات؟

date 2017/05/19 views 24395 comments 0

تحدّثت عديد القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية عن تقديم بعض الأوساط الحاقدة لطلب لدى منظّمة الشّرطة الجنائية الدّولية "إنتربول" لاستصدار مذكّرة اعتقال في حقّ الدّاعية الهنديّ المعروف "ذاكر نايك"، الذي ذاع صيته من خلال المحاضرات المفتوحة التي يعقدها في الدول الغربية، ويعرض فيها الإسلام ببهائه ونصاعته وحجّته، ويجيب عن الأسئلة والشبهات التي تحوم حوله، بأسلوب عقليّ وعلميّ مقنع.

استطاع الطّبيب الجرّاح والدّاعية الملهم "ذاكر نايك" تلميذ الرّاحل أحمد ديدات رحمه الله ووارث طريقته في الدّعوة والمحاورة والمناظرة، أن يفوق شيخه في النّشاط وقوة الحجّة، وأمكنه أن يزاوج بين الأصالة من خلال انطلاقه في دعوته من نصوص الكتاب والسنّة، وبين المعاصرة في الاستعانة بالبحوث العلمية الحديثة لإثبات كون الإسلام هو وحده الدّين الحقّ، وهو وحده الكفيل بإسعاد البشريّة، بخلاف الأديان الأخرى فضلا عن الديانات المخترعة، التي تجمع بين الإغراق في الخرافات والمفاصلة بين الماديات والروحانيات.. وقف "ذاكر" للفكر الإلحاديّ بالمرصاد، وتصدّى لشبهات ودعاوى الملاحدة بالأدلّة العقلية والعلمية، كما برع في كشف تهافت الكتب المقدّسة عند اليهود والنّصارى، وأماط الغطاء عمّا حوته من هرطقات تدلّ على أنّ اليد البشرية قد تدخّلت في صياغة نصوصها، وساعده في ذلك إلمامه بمصادر أتباع الديانات والمذاهب الأخرى وإتقانه للعديد من اللّغات العالميّة، وفصاحته في الحديث بخطاب قويّ ومفهوم، إضافة إلى ما يتمتّع به من شخصية قوية مهيبة، تجعل محاوره ومناظره لا يملك إلا أن يحترمه ويتحوّل في وقت قصير من مناظر إلى تلميذ يتعلّم منه.

اكتسب "ذاكر نايك" شهرة واسعة في الدّول الغربيّة، وأمكنه استمالة الشّباب المسلم هناك، كما حظي باهتمام الشّباب المسلم في الدول العربيّة والإسلاميّة، وأصبح واحدا من أكثر الدّعاة شهرة بين الشّباب المثقّف، وغدت محاضراته ومناظراته من أكثر الموادّ متابعة على شبكة اليوتيوب، وهو ما أثار حفيظة المنظّمات الصّهيونيّة والتّنصيريّة، التي كادت له، وحرّضت منظّمات هندية حاقدة لتشنّ ضدّه حملة إعلامية آثمة اتّهمته فيها بالتورّط في غسيل الأموال! والكسب غير مشروع عن طريق المؤسّسات والقنوات الفضائية الدينية التي يديرها!، كما اتّهمته بالتّهمة الجاهزة المعهودة، تهمة الدّفاع عن الإرهاب.

"ذاكر نايك" هو الآن مقيم في السّعودية التي نال فيها جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام في العام 2015م، لكنّه ربّما لا يُستبعد أن تتخلّى الرياض عن إيوائه، خاصّة إذا انطلقت الأصوات العلمانيّة التي ترى في هذا الدّاعية واحدا من أكثر الدّعاة تهديدا للفكر العلمانيّ، تطالب بإعادته إلى بلاده، لتتناغم مع الأصوات الخارجية التي ربّما تمارس ضغوطا تؤدّي بالسّعودية إلى مقايضته بقضايا أخرى ربّما تخصّ العائلة المالكة أو بعض كبار المسؤولين.

الحملة التي يتعرّض لها "ذاكر نايك" وتزداد شراستها عاما بعد عام، تعطي مثالا آخر، يضاف إلى عشرات الأمثلة التي تدلّ على حقيقة أنّه ليس كلّ الدّعاة يزعجون الغرب، وإنّما هناك صنف معيّن منهم يقضّون مضاجع الحاقدين هناك ومضاجع إخوانهم في بلاد العرب والمسلمين، هم الدّعاة الذين يعتزّون بانتمائهم إلى الإسلام، ويتصدّون لخدمته والدّفاع عنه متسلّحين ليس بالعلم الشّرعيّ فقط وإنّما أيضا بما أمكنهم من علوم حديثة تخدم رسالة الإسلام.. الغرب لا يهتمّ كثيرا بالدّعاة المتنوّرين الذين يتنكّرون لتاريخ أمّتهم ويستحُون من بعض تشريعات دينهم، ولا يجدون حرجا في التّنازل عن بعض أصوله طلبا لرضا الآخر، كما لا يعبأ كثيرا بالدّعاة الذين ينافحون عن مصادر الدّين وشرائعه وشعائره لكنّهم لا يفقهون شيئا في تطوّرات الواقع، وإنّما يهتمّ بمن يزاوج بين التمسّك بأصول دينه ويهتمّ بفقه الواقع ومتطلّباته.

ذاكر نايك تُلفّق له التّهم وتستصدر المذكّرات لاعتقاله، لأنّ الغرب أحسّ بمدى الخطر الذي يمثّله أمثاله من الدّعاة على الفكر العلمانيّ الغربيّ والعربيّ، وبمدى الأهمية التي يمثّلها منهجه في تثبيت شباب المسلمين على دينهم ودفعهم إلى الاعتزاز به، بينما يسلم مئات الدّعاة الذين لا يهمّهم كثيرا أن يتعاملوا مع الإسلام على أنّه رسالة حضارية عالمية، بل إنّ كثيرا من هؤلاء الدّعاة خاصّة منهم أولئك المنشغلون بفتنة التّجريح، ربّما يحظون بدعم بعض الأوساط الغربية التي تجد في منهجهم ما يخدم أهدافها في إشغال المسلمين بعضهم ببعض، وفي شقّ صفوفهم وتفريق كلمتهم.

  • print