ضرورة العودة إلى الفكر الحضاري...

date 2017/07/06 views 1986 comments 11

اعتبرالمفكر الجزائري المرحوم "مالك ابن نبي"، منذ منتصف القرن الماضي، أن ما ينبغي حله في مجتمعاتنا هو مشكلة الحضارة، وأن باقي ما نعرف من سلبيات على مختلف الأصعدة إنما هو في حقيقة الأمر من نتائج هذه المشكلة الأساسية، وأنه لا يمكننا تجاوز أي منها من دون أن نقاربها من منظور حضاري، وكل مقاربة أخرى إنما هي تجزيئية غير قادرة على تقديم الإجابات الصحيحة للأسئلة المطروحة... فهل ما زالت هذه المقاربة صحيحة وهل ما زالت قابلة لأن تمدنا بأفضل البدائل للتعامل مع المستقبل؟

أفترض من البداية أن ذلك صحيح وأن كل ما نعيشه اليوم من تخبط في جميع المجالات من السياسة إلى الثقافة إلى الاقتصاد هو نتيجة عدم تعاملنا مع الواقع الذي نعيش من منظور حضاري. ننسى باستمرار أننا جزء من حضارة لها منظومتها القيمية وثقافتها وأفكارها، وأنها تعرف مُنحنى بدأ في الصعود منذ نهاية القرن التاسع عشر، ومشكلاته اليوم تحدث أثناء الصعود وليس خلال النزول كما كان الأمر منذ عصر ما بعد الموحدين الأمازيغ (نهاية القرن 13 م)، وأن هذا المنحنى (الخط) الصاعد الجديد، ما فتئ يواجه خطًا آخر استمر يمنعه من تصحيح مساره طيلة 5 قرون من الصراع، وأنه لم يتمكن من مواجهته مواجهة شاملة ومتكاملة إلا أثناء الثورة الجزائرية. فقد حاول العالم الإسلامي مشرقا ومغربا استعادة زمام المبادرة في كل مرة بطريقة تجزيئية (الحركة الوهابية في مجال إصلاح العقيدة، وجمال الدين الأفغاني في مجال الثورة السياسية، ومحمد عبده وابن باديس في مجال الإصلاح التربوي، والإخوان المسلمون في مجل الجمع بين السياسة والدين، والمناضلون السياسيون في مجال استعادة السلطة من الأجنبي، والمثقفون والأدباء في مجال إحياء اللغة والثقافة والتراث)، إلا أن هذه المحاولات جميعا لم تندمج ضمن عمل شامل يرمز إلى المقاومة الحضارية مثلما برز ذلك جليا في الثورة الجزائرية، حيث تم تحقيق فكرة الانتصار على المنظومة الحضارية المهيمنة من خلال العمل المسلح وتُوِّج ذلك بنصر لا شك أنه كان حضاريا قبل أن يكون سياسيا أو عسكريا، وذلك ما تم التفريط فيه وعدم الاستثمار فيه إلى غاية اليوم نتيجة المخطط المضاد للنظام الاستعماري المنهزم الذي استخدم جميع الوسائل الجديدة المتاحة لديه في تلك الفترة ومازال لمحاولة إبعاد ثورتنا عن مسارها الصحيح ومنعها من التحرك ضمن خط إعادة البناء الحضاري للأمة.

وهو ما تمكَّن من تحقيقه في حدود مُعينة، حيث مَنَعنا من أن ننطلق من هذا الإنجاز التاريخي والحضاري للنظر إلى طبيعة المشكلات التي عشناها غداة النصر والتي ما زلنا نعيشها، ومنعتنا نخبته التابعة والمهيمنة التي أبقاها خلفه، من اختيار الحلول الصحيحة لهذه المشكلات ووضع حد لكافة أنواع الاضطرابات والاختلالات التي عرفناها منذ أكثر من 50 سنة وما زلنا نعرف...

وكانت النتيجة أننا بعد كل هذه الفترة كدنا ننسى أننا خُضنا ذات يوم صراعا حضاريا، وأننا نُمثِّل خطًا صاعدا بالتوازي مع الخط الغربي الذي هيمن على أوطاننا طيلة قرون من الزمن، وبدل أن نجد العلاج اللازم لما نحن فيه ضمن منظور شامل ورؤية بعيدة المدى، سقطنا في مستنقع البحث عن الحلول الجزئية وغرقنا في تفاصيل التفاصيل حتى كادت تغمرنا ونَنسى مَن نحن وكيف كُنَّا وما ينبغي أن نكون عليه. 

هذه الحالة التي كرَّسها سياسيون غير مُدركين لمشكلة الحضارة، أو يعملون لتحطيم الإطار الحضاري للأمة في مهمة مُحدَّدة لهم سلفا، جعلتنا نغرق في المشكلات الفرعية من المأكل إلى الملبس إلى المسكن إلى الشغل إلى كيفية تنظيم امتحان مثل البكالوريا! وبدل أن نَرقى بإنجازاتنا إلى مستوى إحداث التراكم لاستعادة بناء الحضارة، نزلنا بها إلى مراتب دنيا تقضي على ما بقي لدينا من عناصر تُذكِّرنا بأننا خضنا ذات يوم ثورة وتحركنا ضمن إطار حضاري مُحدَّد وليس خارج هذا الإطار.

وما ينطبق على المشكلات ذات الطبيعة الاجتماعية والثقافية، ينطبق على المشكلات ذات الطبيعة الدينية أو السياسية أو الاقتصادية. فعلى صعيد منظومة النشاط الديني، بدل أن تعي الاتجاهات الإسلامية المختلفة أنها جزء من حضارة متكاملة وأنها بتنوعها تُشكِّل عناصر هذه الحضارة (وهابية، سلفية، إخوان مسلمون، صوفية...) وأنه عليها أن تتكامل في ما بينها لمساعدة خط النهوض الحضاري على الصعود، بات كل منها يعتقد أنه الفرقة الناجية وأنه هو مركز الحضارة. وشجَّع الخط الموازي والمناهض لانتمائنا ضمن منطق الصراع أو التدافع السُّنَني هذا التميز والاختلاف لمنع أي تبلورلإدراكٍ واع للحقيقة المتكاملة ضمن إطارها الحضاري، بل تَمكَّن في حدود معينة من الدفع باتجاهات معينة إلى "تكفير" الأخرى وإخراجها من الملة وإعلان الحرب عليها ولو في تزييف شبه كلي للحقيقة، الأمر الذي مَكَّن الغرب من رعاية فصائل كثيرة تدَّعي الإسلام وترفع لواء محاربة خصومها بالسلاح، ونَقَلها إلى مستوى الجماعات الإرهابية كما في نموذج "القاعدة" في ثمانينيات القرن الماضي و"داعش" ولواحقها اليوم.

أما على الصعيد السياسي، فقد تكفَّلت الديمقراطية بملء الفراغ ومنع أي منظور سياسي بديل من أن يتشكل. وفي ظل غياب قدرة على إيجاد هذا البديل، وحرمان مجتمعاتنا من الوقت للتفكير فيه أو ابتكاره، هيمنت الفكرة الديمقراطية وأصبح من غير المقبول غربيا على الأقل الحركة خارج إطارها. وباعتبارها منظومة سياسية هي نتاج تطور خبرة الغربيين السياسية منذ ما قبل الميلاد، لم تتمكن الشعوب الإسلامية من التفاعل معها، إذ كانت البديل الجاهز الذي لا يمكن التحرك إلا ضمنه فكان ذلك في كافة التجارب بصفة شكلية وما زال. ولعل ذلك ما يُفسِّر طبيعة العمل الديمقراطي في بلادنا باعتباره ليس ممارسة سياسية جوهرية كما في الغرب إنما استجابة شكلية للبديل السياسي المفروض من قبل الخط الحضاري الغربي على الأمة الإسلامية... ولعلنا سنستمر في النظر إليها كذلك لعقود أخرى من الزمن، قبل أن يتم استيعابها ضمن الإطار الحضاري المتميز وليس خارج هذا الإطار.

ومن المجال السياسي هذا تتفرع عدة مشكلات فرعية بات واضحا أننا مازلنا نُمنَع من النظر إليها باعتبارها جزءا من مشكلات الحضارة، كالتنوع الثقافي، والعرقي، واللغوي، والجهوي... التي لها جميعا ما يناسب من حلول ضمن المنظور الحضاري، ولكننا نكتفي بتناولها والنظر إليها ومحاولة التعاطي معها ضمن قواعد المنظور الغربي السائد، كحقوق الانسان أو حقوق الأقلية أو الاستقلال الذاتي أو الانفصال، دائما وفق منهجية الرؤية الغربية للمسائل السياسية، ليس فقط بالنسبة لبلادنا إنما لبقية البلدان المسلمة وبقية العالم غير الغربي.

هذه المنهجية في التعامل مع المشكلات الدينية والسياسية هي ذاتها التي يتم تأطير تناول القضايا الاقتصادية من خلالها، فنحن ممنوعون من التمكين الاقتصادي كما نحن ممنوعون من التمكين الديني والسياسي. ولإتمام هذه المهمة على أحسن وجه يتم التلاعب بمقدراتنا المالية والاقتصادية بأفضل الطرق بأياد محلية في كثير من الأحيان وعلانية في كثير من المرات فيما يُعرف بـ"مافيا" المال الفاسد وغيرهم من العملاء. وهكذا نجد أنفسنا غير قادرين على التقدم رغم ما نملك من قدرات لأننا لم نتمكن من إدراج حركتنا الاقتصادية ضمن بعده الحضاري مثلنا مثل كل البلاد الإسلامية.

وهذا يعني إجمالا أننا اليوم في حاجة إلى العمل من أجل استعادة الرؤية ضمن هذا المنظور، إذا أردنا أن نكون منسجمين مع جوهر العمل الحضاري الذي قُمنا به أثناء ثورة التحرير...وهذا وحده الذي يعطي كل عمل نقوم به العمق اللازم له، ويمنعنا من الوقوع ضمن حالة التخبط التي نعيشها اليوم في التعامل مع مختلف المسائل وفي رسم مختلف السياسات...

  • print