الجهاد الأفغاني من برجينسكي إلى بلمختار (الحلقة الأولى)

45 قناة شيعية وسنية مهمتها تأجيج أفران التّعصب المذهبي

date 2017/07/05 views 7059 comments 15
  • المسخ الداعشي هو الخطة "ب" بعد فشل "الربيع العربي"
  • قصة استعمال الدين لتمرير النزوات السياسية
author-picture

icon-writer نور الدين تويمي

باحث عصامي

بعد استفراد تنظيم "داعش الإرهابي" بالمشهد الإعلامي وانحسار المساحة التي كان يحوزها تنظيم "القاعدة الإرهابي" ضمن هذا المشهد. ويظهر هذا الاستفراد الداعشي بالاهتمام الإعلامي العالمي في عدم خلو أي وسيلة أو واسطة إعلامية أو معلوماتية من نقل لأخبار هذا التنظيم مع تفاوت بين في درجة الاهتمام أو في سلم الأولية إنما القاسم المشترك بينها وجود أخبار عن هذا الوافد الجديد بعض هذه الوسائل والوسائط تسوق له بغاية الوضوح والشفافية متبنية طروحاته، بل تتفوق عليه في تلميع ممارساته وتقديمها على أساس أنها مبادئ إنسانية راقية تتعرض للتشويه.

أما البعض الآخر فيزعم الحيادية والمهنية فيقدمه كما هو ولكنه يمارس درجة عالية من التمويه لتكون المحصلة كسب التعاطف معه والقليل من هذه الوسائل والوسائط من فهمت جذوره واستوعبت أفكاره واستكنهت الحيز الذي يشغله ضمن المنظومة المنطلقة من خلفيات "الفوضى الزلاقة" و"الربيع العربي" و"صدام الحضارات" و"المحافظة على الوضع القائم" فتراها تقاوم وتناضل وأحيانا تناور وتداور حتى توصل الحقيقة المغيبة إلى أصحاب الضمائر الحية والنفوس الحرة. وتلقى معارضة وحصار وتشكيك وردود وافتراءات من أجل أن لا يشع قبس الحقيقة التي تحملها. وكم رأينا من إيقاف بث على الأقمار الصناعية وإغلاق منابع التمويل بل تجنيد أقران وأشباه مهمتهم الأولى التصدي لهم والرد عليهم والتشويه لصورتهم.

ورغم ذلك فإن ما يحمله المسخ الداعشي من جهالة وتوحش كان كفيلا بتعريته ليظهر على حقيقته كما هو رغم كل الترميم والتجميل والتسويق.

فكان ظهوره على أنقاض انهيار تجارب الربيع العربي التي حملت منذ بداياتها بذور فشلها وكأن القائمين على استولادها جعلوها الخطة "أ" فإن فشلت فالخطة "ب" جاهزة ولم تكن الأخيرة إلا المسخ الداعشي الذي حفظ في المخابر باعتباره النسخة الثانية لتنظيم القاعدة الذي تعرّض لعملية تجميد إلى حين الحاجة إليه أو الحاجة إلى صبغياته لنسخ "خلق جديد" قد يحقق ما عجزت عنه القاعدة.

ومن المؤكد حسب تجارب التاريخ أن تكالب الدول الغربية اليوم على ضمان انسحاب آمن من حلب والموصل لكل التكفيريين والإرهابيين سواء أكانوا داعشيين أو نصرويين (نسبة للنصرة) أو زنكويين (نسبة لكتائب نور الدين زنكي) إلا دليلا على الحرص لضمان بذور وظروف توالد مضمونة مؤمنة لظهور مسخ آخر هو ما سميته في هذا الكتاب الذي أقدمه لك "الجيل الرابع" من الجهاديين الذي ألمح طلائعه من خلال ما شرع في تسويقه الآن من دعوة لإحياء: النعرات العرقية والطائفية في طول العالم العربي وعرضه وكأن المعركة القادمة لن تنطلق هذه المرة من التكفير إنما تنطلق من شعوبية عرقية أو عرقية شعوبية تكرر حروب داحس والغبراء وحرب البسوس ومواجهات اليمنية والقيسية.

ونحن الآن نشاهد فشل الخطة "ب" وأعلم يقينا أن الخطة "ج" لخلق الصراعات العرقية سيكون مصيرها مصير سابقتها ولا انطلق في استشرافي هذا من روح التفاؤل قدر ما انطلق من أدلة أراها وأعايشها مثل المبالغ الفلكية التي أنفقت على الخطة "ب" وتتمثل في 100 مليار دولار منفقة لإسقاط سوريا وتأمين إسرائيل فضلا عن 50 مليار دولار لإشعال الحرب "الشيعية والسنية" و100 مليار دولار مرصودة لشراء الذمم للعاملين ضمن كورال الخطة "ب".

وضاعت كل هذه الأموال وانتصرت إرادة الشعوب رغم المحارق والمهازل.

وحتى نستوعب خلفيات الخطة "ب" كان من الواجب الحديث وبالتفصيل عن الخطة "أ" باعتبارها النسخة الأصلية للخطة "ب" والخطة "أ" هي تنظيم القاعدة.

والحديث عن تنظيم القاعدة يحتم التطرّق إلى البيئة الحاضنة لمشروع القاعدة ولست أعني إلا الجهاد الأفغاني باعتباره الظرف الزماني والمكاني الذي أوجد القاعدة ورعاها ثم أطلقها في العالم لتصل إلى أخدود 11 سبتمبر 2001 وتداعياته الكارثية.

وأزعم أني عايشت الحدث الأفغاني وأنا في مقتبل العمر لا أتجاوز العشرين سنة. عايشته متعاطفا معه ثم متحمسا له.

فملاحظا له وأخيرا متملصا منه وناقدا له وجاء هذا الكتاب في مرحلة التملص والنقد حيث آلمتني مآلات هذا الحدث وآلمني أشد مصير متبنيه وآخرهم مختار بن محمد بلمختار الذين كانوا جزءا من لعبة دولية أكبر منهم فلم يعرفوا حيثياتها ولم يستوعبوا تفاصيلها فضلا على أن يصدقوا قرارات كواليسها التي تكشفت بكل ما فيها من انحراف واختراق واحتراق واحتراب.

وقد مكثت ما يزيد عن العشرين سنة وأنا أجمع الوثائق والمراجع عن الحدث الأفغاني بدأت ذلك سنة 1996 لما دخلت مرحلة التملص منه والنقد له عندما ظهر أن الآمال التي علقت عليه كانت آمالا خائبة وأن كل هالات التسويق المنطقة من خلفيات المقدس قد انهارت أمام حقيقته المغداة بكل ماهو مدنس وهل هناك تدنيس أحقر من استغلال المشاعر الدينية لتنفيذ أجندات سياسية وقد ذكر ذلك صراحة جون فوستر دلاس وزير الخارجية الأمريكي لما التقى بالأستاذ محمد حسنين هيكل رحمه الله.

وذلك في سنة 1953 وقال له: "إن المنطقة عندكم تعوم على بحرين: بحر من بترول وبحر من دين ..." ومنذ تلك اللحظات التي ذكر فيها هذا الكلام كان قرار إقحام الإسلام في معركة الشرق والغرب قد اتخذ وشرع في التنفيذ.

كما ظهرت بعض ملامح تدنيس المقدس في ستينيات القرن الماضي عندما تصاعد المدّ القومي والاشتراكي بقيادة جمال عبد الناصر وتصدت المملكة العربية السعودية لهذا المدّ متهمة القوميين والاشتراكيين بالكفر وبدأ استدعاء الأجانب والاستقواء بهم وإدخالهم في المعركة العربية.

والحل في رأيي ليس استعمال الدين لتمرير النزوات السياسية إنما الخضوع للدين فيما قرّره ونص عليه في قضايا الحكم والإدارة وذلك فيما اتفق فيه الدين مع اجتهادات البشر في استعمال أرقى الوسائل وأنظف الأساليب لضمان العدل والشورى، التداول السلمي على السلطة، التوزيع العادل للثروة...

أما استعمال الدين في تكريس أسوأ طرق الحكم والتسلط فهو "راسبوتينية" (نسبة لـغريغوري راسبوتين والراسبوتينية هي أسوأ مظاهر تدنيس المقدس) خبيثة لا يمكنها أن تصمد مهما طال عمرها واشتد بطشها وخبث معدنها. ولست أبرئ عبد الناصر من أخطاء وخطايا ارتكبت في عهده أقلها القرارات الارتجالية وتضخم تأثير مراكز القوى، وإعدام سيد قطب مما فتح الباب واسعا لما حدث في النكسة ثم في مرحلة السادات حيث ظهر جليا: تدنيس المقدس واستعمال الدين للأغراض السياسية المعلومة والمجهولة الهوية وتكرر نفس التصرف في حرب 2006 على حزب الله من أجل تحييده لتنفيذ مخطط "الشرق الأوسط الجديد" المتبنى من أنجب تلاميذ التيار "الصهيو مسيحي" وأكنى كوندو ليزارايس.

ورغم الاستعمال الصريح للعبة تدنيبس المقدس إلا أن صمود حزب الله فوّت فرصة تطبيق خريطة الشرق الأوسط الجديد لتشتعل أشرس حروب استعمال الدين للأغراض السياسية من جديد في حرب المائة سنة بين الشيعة والسنة.

واستعمل في هذه المرة ميدان الشرق الأوسط كأفضل المواقع لهذه الحرب وكل عاقل يلحظ أن ما يحدث في الشرق الأوسط هي "حرب إرادات" لا علاقة لها باختلافات المسلمين ونظرتهم المتباينة لكثير من القضايا الخلافية التي وجد فيه الاختلاف منذ اليوم الأول الذي أثيرت فيه بين المسلمين في أحداث الفتنة الكبرى وما تبعها من هزات ارتدادية أبرزت للسطح قضايا لم يفصل فيها يومها واستمر الجدل حولها وقد ينتهي الوجود ولا ينتهي النقاش حولها.

إلا أن أسوأ استعمال للدين كان في مرحلة الجهاد الأفغاني بمرحلتيه الأولى من سنة 1979م إلى سنة 1989م والثانية من سنة 1989م إلى سنة 1992م.

ودخل على خط تدنيس المقدّس يومها المال والإعلام والفتوى وهو ما سوف نتابعه طيلة فصول هذا الكتاب السبعة من أول صفحة سودتها فيه وإلى آخر ما كتبته عن مراجعات التيار الجهادي.

ثم تأتي تداعيات الحدث الأفغاني في حرب الإرادات العالمية بإقحام التيار التكفيري في الحروب الأهلية في العراق وسوريا وليبيا وقبلها في الجزائر عندما سالت دماء 200 ألف ضحية باسم الله وعلى سنة رسول الله وما زالت حلقات مسلسل استعمال الدين قائمة ولا أرى نهاية لهذا المسلسل المدبلج لأن وجوده مرتبط بمستوى العالم الإسلامي حضاريا كما أنه مرتبط بهيمنة الاستبداد السياسي والفكري والاجتماعي على العالم الإسلامي ولذلك لا تريد أمريكا تحت أي ذريعة ديمقراطية حقيقية في العام العربي وقد ذكر ذلك صراحة أحد أساطين الفكر الإستراتيجي نعوم تشومسكي في محاضرة ألقاها بالجامعة الأمريكية في القاهرة تحت عنوان: النظام العالمي الناشئ والربيع العربي وذلك أمام نحو 1000 شخص عندما قال: ... دراسات كثيرة للرأي العام العربي أجرتها وكالات أمريكية توصلت إلى نتائج مشابهة تفيد بأن الولايات المتحدة لا تريد حقا أن تعبر السياسات في الدول العربية كمصر وغيرها عن الرأي العام لشعوب المنطقة... أن هناك خطرا آخر في منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة يتمثل في احتمال أن تتحرك المنطقة صوب استقلالية لها معنى... إن تعامل واشنطن مع ما حدث في غزة يظهر بوضوح الطريقة التي يتعامل بها الغرب بشكل عام مع الديمقراطية حيث يكون: لا بأس بها طالما تأتي بالنتيجة التي نرغب (أي الغرب) بها...

وآراء نعوم تشومسكي ليست آراء استهلاكية فهي دائما محط اهتمام من النخب ومراكز البحث والدراسة والتفكير ويكفي أنه أحد الثمانية الذين يحسب لتحليلاتهم ألف حساب كما يكفيه فخرا لنتقاطع وإياه كمستضعفين في الأرض أنه يصنف كمفكر منشق على منظومة المحافظين الجدد المهيمنين على مركز القرار الأمريكي.

وهو مقتنع بأن تأثير الخارج على العالم العربي تأثير كبير ويستعمل هذا الخارج "المقدس" لإشعال الحروب الداخلية ذكر شيء من ذلك في لقائه مع قناة الجزيرة لما زارته في مكتبه بمعهد ماساشو سيتش للتكنولوجيا حيث انتقد الاستيطان الإسرائيلي وتحدث عن الربيع العربي ثم تطرق إلى مشاكل العالم العربي فقال: (... قد تم سحق العالم العربي لعدة قرون من قبل القوى الأمبريالية وهو يعيش مشاكل داخلية عديدة إلى جانب تأجيج هذه المشاكل من القوى الخارجية وبخاصة الصراع السني الشيعي الذي اشتعل مع الغزو الأمريكي للعراق حيث كانت الأمور هادئة نسبيا فرغم ديكتاتورية صدام لم تكن الطائفية هي الحاكمة للمشهد، هناك ميليشيات سنية (الدولة الإسلامية) وشيعية وكردية وجميعها مسلحة ربما لن يبقى العراق موحدا في مثل هذه التجاذبات الإقليمية وبخاصة الصراع بين السعودية وإيران...).

ولا تتوقف عملية استدعاء المقدس اليوم في أي تعامل في العالم العربي والإسلامي وهو مغذى بعشرات القنوات الفضائية والأرضية من أجل إشعال الصراع السني الشيعي وإلا بما نفسّر أن التيار الشيرازي المتطرف الذي يرمز للغلو الشيعي أو التشيع الصفوي يملك 15 قناة فضائية تسعر (من سعر النار والحرب) أفران التعصب المذهبي ويقابله التيار التكفيري (في الضفة السنية) الذي يرمز للغلو السني أو التسنن الأموي ويملك أكثر من 30 قناة فضائية تسكب مزيدا من البنزين على نار التعصب المذهبي وتغذيه. أيضا شخصيات متعصبة وكتاب وصحفيين ودور نشر ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا أتألم لشيء مثلما أتألم لكوننا مفعول بنا طيلة القرن العشرين بالإضافة لعشريتين من القرن الواحد والعشرين بدأ ذلك منذ إعلان الثورة العربية على الهيمنة التركية هذه الهيمنة التي أذلتنا باسم المقدس المتمثل في الخضوع للخليفة المسلم ووجوب تقديم البيعة له (وتمر على ذكرى هذه الثورة 100 سنة لأنها اندلعت فجر يوم 02 جوان 1916 عندما أطلق شريف مكة الحسين بن علي أول رصاصة في مكة معلنا الثورة على الدولة العثمانية).

واستمر الفعل بنا من خلال صراعاتنا داخل الأقطار العربية بين المتنورين والمحافظين ليبلغ الأمر ذروته في الصدام بين الإخوان المسلمين وجمال عبد الناصر (وعبد الناصر بدأ إخوانيا).

 

هام

سلسلة حلقات "الجهاد الأفغاني من بريجينسكي إلى بلمختار" هي نتاج عشرين سنة من البحث والتدقيق في مذكرات السياسيين ورجال المخابرات، للباحث العصامي نور الدين تويمي، نقدّمها لكل المهتمين بقضية الجهاد الأفغاني التي لا زالت تداعياتها إلى اليوم، وتفتح الشروق المجال للردود والملاحظات والانتقادات.

راسلونا على العنوان الالكتروني التالي: echoroukopinion@gmail.com

  • print