هامش الحركة في إدارة السنوات العجاف

date 2017/07/08 views 1900 comments 3

حضور الرئيس في الرابع من شهر الاستقلال كان أوضح منه في اليوم الخامس، مع أن المضاربين على ضمور الحضور المادي للرئيس كانوا يترقبون صبيحة الأربعاء بشغف للتثبُّت من صحة ما كان يردد قبل أسبوع عن غياب آخر للرئيس، فكان حضورُه في الخطاب المكتوب الموجَّه للشعب أكثر وقعا وأثرا من صور الساعة البرتوكولية لتحيَّة العلم بمقام الشهيد.

لأول مرة يعترف الرئيس في الخطاب المكتوب بحقيقة استدامة الأزمة الناشئة عن تراجع عوائد المحروقات وتبعاتها على الموازنات الكبرى في ميزانية الدولة، ليلمِّح بشكل مباشر إلى ما يترتب عنها من مراجعات مؤلمة لا مفر منها سواء في نسق الإنفاق الحكومي، أو في منظومة دعم المواد الاستهلاكية والخدمات، حتى وإن كان ألحَّ على تنوُّع مقدرات البلد الكامنة لتجاوز سنوات العُسر القادمة بأقلِّ ضرر ممكن على تماسك البلد وأمنه الاجتماعي.

الخطاب فيه إشارة لمسار مراجعات وإصلاحات في منظومة الدَّعم والتوظيف والأجور سوف تساق إليه الحكومة مكرَهة لا مخيَّرة، ليس بإجراءات مرتجَلة ترقيعية كما حصل مع حكومات سلال، بل عبر مشاريع إصلاحية محكومة بالقانون يسبقها تشاورٌ واسع ومسؤول مع الشركاء الاجتماعيين، ومصارحة المواطنين بكل شجاعة مع ضمان التوزيع العادل لأعباء الأزمة بمقاربة يعلمها الجميع تقوم على محورين:

محور توسيع وتنويع مصادر تمويل ميزانية الدولة بترقية الصادرات خارج المحروقات، وخاصة بترشيد السياسة الجبائية وتوسيع قاعدتها بتشجيع إنشاء المؤسسات المُنتِجة للجباية، وهو المجال الذي فشلت فيه الحكومات السابقة زمن البحبوحة المالية كما عند بداية الأزمة.

ومحور تخفيض نفقات الدولة وتحرير الخزينة العمومية من جانب من الأعباء الاجتماعية أكثرها وضوحا وثقلا: منظومة دعم المواد الاستهلاكية والخدمات التي كانت أغلب الحكومات السابقة تهاب الاقتراب منها وتسوِّف في معالجتها بتدرُّج ويُسر.

هامش الحكومة في المحور الأوَّل ضيِّق، يحتاج إلى سنوات من الجهد لتعديل الميزان بين موارد الدولة المضطربة من الجباية النفطية ومواردها الآمنة من الجباية خارج المحروقات، خاصة وأن الحاجة إلى تشجيع الاستثمار الوطني أو الأجنبي غالبا ما تكون مرفَقة بإعفاءات جبائية، وكيفما كان الجهد الذي سيُبذل في مجال توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي وترقية التصدير خارج المحروقات، فإنه لن يسعفنا عاجلا في مواجهة أزمة قائمة تحتاج إلى ترشيد الإنفاق بترشيد الاستيراد المحكوم أصلا بترشيد الاستهلاك.

وعلى هذا المستوى أيضا سيكون هامش الحكومة ضيِّقا محكوما بواجب ضمان الأمن الاجتماعي عند الاقتراب من رفع دعم الدولة للاستهلاك حتى لا تمنح الفرصة لمن يتربَّص بأمن البلد واستقراره عبر رصد هفوات الحكومة ساعة الاقتراب من معالجة ملفِّ دعم الاستهلاك الذي ظل طوال نصف قرن ثابتا من ثوابت عمل الحكومات المتعاقبة.

وفي كل الأحوال وكيفما كانت مقاربة الحكومة لملف الدعم من جهة وممارسة حقيقة الأسعار، فإن البلد لم يُهيأ بعد لتقبُّل حقيقة الأسعار الشاملة حيال المواد الاستهلاكية الرئيسة، ولا حتى في فواتير الكهرباء والغاز التي تحتاج إلى تدرُّج ناعم قد يستغرق عقدا من الزمن، ولن يضمن أحدٌ السلم الاجتماعي الذي هو اليوم مركز السلم والاستقرار، والجبهة الأولى لتحصين البلد من العبث الوافد، ما لم تُمكَّن الأسر من تنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل لأبنائها وبناتها.

  • print