إرضاءً لمن... ندوس على لغتنا؟!!

date 2017/07/08 views 4423 comments 44
أبو بكر خالد سعد الله

أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة

عقدت القمة الـ29 للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا خلال يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين. ومثَّل رئيسَ الجمهورية هناك الوزيرُ الأول. وبهذه المناسبة أظهرت التلفزة الوطنية الوزير الأول يلقي خطابه الرسمي باللغة الفرنسية أمام الزعماء الأفارقة وليس بلغة الدولة التي يمثلها... وهي اللغة التي تعترف بها الأمم المتحدة كلغة تخاطب في مرافقها!

كما أنه ليست المرة الأولى التي نرى فيها مسؤولا من بلادنا يتعالى على لغة مدرستنا في المحافل الدولية ويتجاهلها. فهل دخل هذا "التقليد" في ثقافة ساستنا؟ !! كنا نعتقد أن الجزائر لا زالت تطمح أن تكون رائدة إفريقيا في عديد المجالات، منها المجال الفكري والثقافي. غير أن التمادي في هذا السلوك غير المبرر جعلنا نستاء مما نشاهد.

 المهرجان الثقافي الإفريقي

في الماضي غير البعيد، كانت الجزائر توصف بـ"كعبة الثوار" وقِبلتهم، وبقلعة مقاومة الاستعمار بكل أشكاله، وبمحررة القارة الإفريقية وكثيرٍ من شعوب العالم الثالث. ومن المعلوم أن التحرر له عديد الأوجه، منها التحرر من التبعات الفكرية واللغوية. ومما جاء في خطاب الوزير الأول بأديس أبابا أن "الحكومة وضعت  بالفعل ترقية الشباب في قلب استراتيجيتها بحيث خصصت لها في إطار التنسيق بين القطاعات دينامكية دعم منسجم و متكامل يشمل برامج التربية والتكوين ..". فهل نفهم من الرؤية الإستراتيجية للحكومة أن هذه الترقية تقتضي بمخاطبة الأجنبي بلغة غير اللغة التي يتعلم بها هؤلاء الشباب؟! إنه منطق من الصعب استيعابه.

وفي هذا السياق، نتذكّر خلال العشر الأواخر من شهر جويلية عام 1969 أن الجزائر كانت حقا "قبلة" للثقافة الإفريقية حين بادرت بتنظيم المهرجان الثقافي الإفريقي الذي أقيم في عاصمتنا وجابت شوارعها الفرق الفلكلورية آنذاك.

كانت فعلا تجربة رائدة في إفريقيا في المجال الثقافي والفني. كما نتذكر في ذلك المهرجان مساهمات عدد كبير من المفكرين والأكاديميين ورجال الفن الأفارقة (في مجال السينما والغناء والرقص والأدب والتاريخ والثقافة بكل ألوانها...). وقد قصد هؤلاء "كعبة الثوار" تبركًا بإنجازاتها وتوجهاتها، وكانوا مصحوبين بزعماء الحركات التحررية.

وألقى خلال ذلك الشهر الكثير من المثقفين الأفارقة محاضرات في مختلف الفنون. وقدِم بعضهم (من ذوي الأصول الإفريقية) حتى من الولايات المتحدة، ليعرّفوا بخصوصيات ثقافاتهم ولغاتهم وتاريخهم القديم والحديث، من ذلك مثلا تاريخ مدينة تمبكتو، العاصمة الثقافية والتراثية لدولة مالي المعروفة بتراثها الإسلامي، والتي تعتبر لدى الأفارقة "ملتقى الحضارات" !

ونذكر في تلك الفترة أن مجلة "المجاهد الثقافي" التي كان يقف عليها المرحوم الأستاذ أبو العيد دودو قد عملت على ترجمة تلك الأعمال (المحاضرات بوجه خاص) إلى اللغة العربية لتكون الجزائر رائدة فعلا، ليس في مجال تحرير الأرض فحسب بل رائدة أيضا في تحرير الفكر من ذهنية المستَعمَر ومن التبعية اللغوية التي لا تعني بطبيعة الحال تجاهل اللغات الأخرى. فشتان بين الأمس واليوم!

 94 أهم من 230 !

وللمقارنة في هذا الباب، تجدر الإشارة إلى ما جرى قبل شهر، حين فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم بإلقاء خطاب أعلن فيه عن تخلي بلاده عن "اتفاق باريس" حول مكافحة الاحتباس الحراري. فلم تمض 24 ساعة حتى رد عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بكلمة قصيرة كان لها صدى لا يضاهى عبر العالم عندما ألقاها باللغة الأنكليزية لتوصيل فحواه إلى القارات الخمس نظرا لكون القضية تمس مستقبل كوكبنا. ورغم ذلك لم ينس ماكرون أن يلقيها أيضا مرة ثانية بلغة بلاده احتراما لمنصبه وللغته. فشتان بيننا وبينهم في المجال اللغوي.

وفي هذا الصدد، لا شك أن ساستنا يعلمون بأن تقديرات المنظمة العالمية للفرانكفونية تشير إلى أن عدد الدول الإفريقية الفرانكفونية يبلغ 23 دولة، يسكنها نحو 31% من المُلمِّين باللغة الفرنسية، أي ما يعادل 94 مليون نسمة.

أما سكان الدول الإفريقية العربية فيُقدر بحوالي بـ 230 مليون نسمة، أي أزيد من ضعف من يُلمّ باللغة الفرنسية في إفريقيا. فما هو المبرر إذن أن نخاطب جمهور الأفارقة باللغة الفرنسية إذا كان هدفنا من وراء ذلك تبليغ كلمة الجزائر لهم؟ أو أن في الأمر رغبة في إرضاء جهات معينة؟

إنه لأمر محزن أن يدخل بعضنا في هذه المتاهات والتفاصيل التي كان على ساستنا أن يتجاوزوها إلى ما هو أسمى وأفيد للوطن. والمحزن أكثر أن يلتفت إلينا بازدراء من في قلوبهم مرض في كل مرة نتطرق فيها إلى مثل هذا الموضوع اللغوي الحساس الذي له شأن بالسيادة الوطنية وبعزة الوطن وبمقوماته.

يرى مرضى النفوس والمضللون أن كلاما من هذا القبيل لا يأتي إلا من الفئة التي يصفونها بـ "البعثوإسلاميست" الظلامية، بل يذهب بعضهم إلى تصنيف من لا يشاطرونهم رأيهم في فئة الدواعش الإرهابية. ولعل أكثر ضعاف النفوس لباقةً هم أولئك الذين ينظرون إلى من يخالفونهم الرأي كمساكين يعيشون في ظلمات القرون الوسطى!

أليس أجدر بنا أن ندعو جميعا بصوت واحد إلى التشديد على استعمال الوطني من اللغات، وعلى عدم استعمال اللغات الأخرى إلا عند الضرورة؟

  • print