قد مضى وقت العتاب؟!

date 2017/07/09 views 1307 comments 2
محمد حمادي

ليست هذه هي الجزائر التي سقط من أجلها الشهداء الأبرار في ساحات الوغى، ورووا بدمائهم الزكية أرض الوطن، لنحتفل نحن اليوم بالذكرى الخامسة والخمسين لاستقلال البلاد على وقع الألعاب النارية والأناشيد الوطنية، في مشهد كرنفالي، عوّدتنا السلطات عليه كل عام، فأين نحن من وصية "خذوا الأمانة وصونوا الوديعة" التي حمّلنا إيّاها من ضحوا بالنفس والنفيس من أجل الحرية؟

الحقيقة المرّة هي أنه وبالرّغم من مرور خمس وخمسين سنة على استقلال بلادنا ودحر المستعمر الفرنسي، الذي أذاق شعبنا الويلات، ما زلنا لم نتحرّر بعد من الأفكار البالية، ومازالت قطاعات حسّاسة في البلاد تسير وفق عقلية كولونيالية؛ فكل مسؤول اعتلى منصبا مرموقا خلد فيه أو ورّثه لأحد من أقاربه أو حاشيته، وكل من حصل على ذرة سلطة أذلّ واستعبد من هم أقلّ منه مرتبة.

عقودٌ من الزمن عشناها في كنف الاستقلال، لكن لا يزال صناع القرار الذين تعاقبوا على إدارة الحكم في البلاد، يتبادلون التهم وكل طرف يبيّض صفحته ويسوّد من سبقه أو أدار الحكم من بعده، كل حكومة تلعن سابقتها، وكل وزير يلقي باللائمة على من سبقه في القطاع ويتهمه بخرق القانون وارتكاب تجاوزات، كل والٍ يلغي إجراءات أقرّها من سبقه، وكل رئيس بلدية يرى نفسه منقذا ومخلّصا لمن انتخبوه، ويلصق كل تهم الدنيا بمن اعتلى كرسي البلدية قبله.

سياسيون يلعنون فترة حكم الحزب الواحد ويرمونها بسهام النقد ويحمِّلونها وزر الانحطاط الذي أصاب الوطن على كافة الأصعدة، وهناك من ينتقد التعدّدية التي فرّخت أحزابا مجهرية لا تُجيد فن إدارة اللعبة السياسية. لكن ما فائدة كل هذا اللّوم والعتاب ما دامت آلية الرقابة غير مفعّلة؟ ما جدوى هذه الاتهامات المتبادلة ما دامت ثقافة الحساب والعقاب مجرّد شعارات في الحملات الانتخابية؟

ينبغي أن نعاتب أنفسنا في المقام الأول كجزائريين، سواء أكنَّا في منصب المسؤولية أم خارجها، على الأذى الذي ألحقناه بالوطن، كل حسب موقعه ومركزه. والسؤال الواجب طرحه: ماذا قدّمنا لهذا الوطن؟ للأسف شاركنا جميعا في خرق سفينة البلد وأغرقنا أهلها بسبب سلوكياتنا التي لا تمتّ بصلة للوطنية.

 هناك مشاهد سوداوية نصنعها بأيدينا ونسهم عبرها في تشويه كل ما هو جميل في هذا الوطن؛ فلقد حوَّلنا عددا من شواطئنا الساحرة إلى مكان لرمي النفايات ومصبّ للمياه القذرة، وأتينا إلى المساحات الخضراء فنزعنا عنها الاخضرار، وأغرقناها في الإسمنت، حوَّلنا الملاعب إلى ساحة معركة، وحرمنا أنفسنا من أجواء الفرجة والمتعة، وضربنا أبشع الأمثلة في غياب الروح الرياضية، فضلا عن هتافات الجهوية التي يتفنن أنصار الأندية في ترديدها، وميّعنا شهادة "مقدّسة" اسمها البكالوريا، لمّا عزفنا نغمة الغش لحنا للنجاح.

إذن، من المُفسد ومن المصلح في هذه البلاد؟ ألا نتحمل جميعا كجزائريين وزر هذا الانحطاط الذي أصاب شتى مناحي الحياة؟ لذلك ينبغي لنا أن نكف عن تبادل التهم واللوم بيننا، لأنّه "قد مضى وقت العتاب"، وآن الأوان للتشمير عن السواعد لبناء الوطن إن كنتم بحبّه تؤمنون!

  • print