"إنسان ما بعد الاستقلال"

date 2017/07/10 views 3147 comments 13

كنت أطالع مذكرات الدكتور يحيى بوعزيز – رحمه الله – فاستوقفني ما قصه عندما كان راجعا إلى الجزائر من تونس بعدما أرغم الشعب الجزائري فرنسا على الاعتراف بأن الجزائر ليست فرنسا، ولا تحب أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، كما أكد الإمام ابن باديس، الذي يردد "شر الدواب" أنه دعا إلى الاندماج، وهو الذي حرم مجرد التجنس بالجنسية الفرنسية، بينما نرى الآن كبراءنا "الأحرار" عبيدا لفرنسا...

في أثناء تلك العودة، وكانت بالقطار، جاء مراقب التذاكر، وهو فرنسا، وبدأ يراقب تذاكر الركاب. فلما وصل إلى أحد الركاب طلب منه تذكرته ليراقبها، فانتفض ذلك الشخص، ورفض إظهار تذكرته، وربما لم يشترها أصلا، وأخذته "عزة الاستقلال بالإثم والغرور" وأمطر ذلك المفتش بوابل من كلمة "أحنا مستقلين"، أي إننا مستقلون.. (يحيى بوعزيز: رحلة في فضاء العمر. ج2. ص79). 

لا شك في أن هذا الشخص، الذي رفض إظهار تذكرته – ولو لمراقب فرنسي – يمثل أصدق تمثيل، ويجسد أحسن تجسيد من سماه المفكر المغربي الدكتور المهدي ابن عبود: "إنسان ما بعد الاستقلال". (عمر عبيد حسنة. الأعمال الكاملة المجلد 1. ج2. ص 188). 

إننا نستطيع أن نحصي كثيرا من الصفات السلبية التي طبعت تصرفات كثير منا عن "إنسان ما بعد الاستقلال"، والتي ما يزال كثر منا، خاصة كثير من المسئولين، لم يتخلصوا منها.. ويأتي على رأس هذه الصفات السلبية "الغرور"، الذي يجعل كثيرا منا لا يعترفون بأخطائهم، ويرفضون تصحيحها، ويصرون على الاستمرار عليها.. 

وإنني أرى أكبر مجسد لـ "إنسان ما بعد الاستقلال" هو من قدر له أن "يتربع" على عرش الجزائر، في بداية استعادة استقلالها.. وهو لا يملك إلا شهادة "لا إله إلا الله"، ومع ذلك لم يجد حرجا في أن يتولى ستة مناصب عليا.. لقد أخبرني أحد الإخوة أن مواطنا "حكيما" عقب على بعض ما رأى وما سمع بقوله "الاستقلال فسدناه"... والسؤال هو: "متى نصلح ما أفسدناه، وبعدما وصل الفساد إلى المنظومة التربوية المعول عليها في الإصلاح المنشود؟". 

  • print