مشكلة العنف في العالم الإسلامي

date 2017/07/10 views 1705 comments 7

في سنة 1966 صدر كتاب للمفكر السوري الأستاذ جودت سعيد بعنوان "مذهب ابن آدم الأول" بعنوان فرعي (مشكلة العنف في العمل الإسلامي)، ويقصد بمذهب ابن آدم الأول، ما ذهب إليه أحد ابني آدم، وهو أنه اختار أن يكون المقتول على أن يكون القاتل، والقصة حكاها القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [المائدة 27-30].

وعلى الرغم من أن فكرة الكتاب كانت تعالج مسألة العنف في العمل الإسلامي، وتحذر من مآسي نتائجه على الأمة وحركة المجتمع، فإن واقع الإسلامي كان يسير في الاتجاه المعاكس، بحيث تحولت المشكلة محل انشغال الأمة برمتها وليست مشكلة تيار واحد فيها.

ومن منذ ذلك الوقت وإلى غاية منتصف تسعينيات القرن الماضي، والمصلحون في العالم الإسلامي، والمناضلون السياسيون والدعاة، ورجال السلطة يرفضون هذا الطرح، الذي يعتبره بعضهم أنه سند للطُّغم الحاكم في العالم الإسلامي، وداعم للأنظمة الاستبدادية عموما، حتى أن الأستاذ جودت نفسه كان يقول عن رجال الدعوة الإسلامية "عجبا لقوم أنا أقول لهم هذا هو منهج الأنبياء، وهم يقولون لي أنت تريد تقديمنا خرفانا للطغاة".

وعندما زار الأستاذ جودت الجزائر في سنة 1991، قلت له إنك لم تختر الوقت المناسب لزيارة الجزائر لمعرفة ما بها، فقال لي لم ولم؟ قلت له إنك زيارتك لها في هذا الواقع السياسي المهزوز تحرمك من معرفة الواقع بها؛ لأن زيارته تزامنت مع الإضراب الذي نظمته الجبهة الإسلامية للإنقاذ يومها وما شابها من عنف سياسي وخطابات نارية ومواجهات بوليسية..إلخ، فقال لي لا عليك، لقد عشت مأساة العنف في العالم الإسلامي بجميع أنواعها: فلما أغتيل حسن البنا واحتلت فلسطين كنت طالبا في القاهرة، وعشت مأساة احتلال الحرم المكي في الثمانينيات، وعشت مأساة حماة في سوريا واحتلال العراق للكويت، كل هذه الأحداث والوقائع تعبر في رأيي عن ثقافة في المجتمع الإسلامي وليست شيئا عابرا، ومن ثم فإن "جلدي اخشوشن" بسبب هذه المآسي، وما يقع اليوم في الجزائر لا يخفي عني ما يمكن أن يميزها أو يميز نخبها عن غيرها من بلاد المسلمين.

فقصة العنف في العالم الإسلامي، ليست مشكلة لاصقة بالتيار الإسلامي فحسب وإنما هي ثقافة مجتمعات آمنت بأنها لن تحقق نهضاتها إلا بالقوة، بالعنف الثوري عند بعضهم، وبالجهاد عند البعض الآخر، وعن طريق الانقلابات عند فريق ثالث، وهذا المنحى قد خطت مساراته في طول تاريخ الأمة الإسلامي وحراكها الاجتماعي والسياسي، والسبب في ذلك في تقديري له عدة مبررات موضوعية، منها التاريخي ومنها الواقعي يمكن إيجازها فيما يلي:

1. تخلف حركة الفكر والفقه السياسيين في الأمة الإسلامية، عن حركة التاريخ، إذ المتصفح للإنتاج الفكري والفقهي في الأمة الإسلامية لا يقف إلا على مدرستين اثنتين، إحداهما مدرسة الاستبداد، وهي المدرسة التي صادقت على الواقع وأكسبته شرعية لا يملكها، وذلك واضح في إقرار المتغلبين من رجال السلطة والاعتراف بهم كواقع خوفا من الفتنة وتمزيق العالم الإسلامي، والمدرسة الثانية هي مدرسة الخروج وهي المدرسة التي تبنت معالجة القضايا السياسية بالقوة والعنف، خروجا عن السلطات غير الشرعية ووقوفا في وجه الظلمة من الحكام، وهذا الواقع بشقيه لا يملك الشرعية الكاملة التي يقرها الشرع وتخدم الأمة؛ لأن الأصل في الفكر السياسي الإسلامي هو الشورى، ومنطق الشورى يرفض التغلب والاستيلاء على السلطة وفرض الأمر الواقع مهما كانت المبررات، كما يرفض أيضا الخروج عن النظام الاجتماعي العام والانتقال به إلى الفوضى مهما كانت المبررات أيضا.

والأمر الذي أبقى على هذه المعادلة واستمرارها بنفس الأسلوب إلى اليوم، هو أن الفقهاء قديما لم يكلفوا أنفسهم البحث في الخروج من المأزق بقدر ما كانوا حريصين على الاصطفاف في هذا الجانب أو ذاك، حفاظا على الاستقرار الاجتماعي خوفا من الفتنة، وحرصا على إقامة الدين، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر بكل الوسائل ومنها استعمال السلاح، والكل مستند إلى نصوص شرعية من القرآن والسنة، ومن تصرفات جيل المسلمين الأول، وكأن الأفضل كان محصورا في ذلك المأزق المزري. في حين أن الواقع الإنساني أكثر تقلبا مما كانوا يرون، وواجب التجديد في الحياة يبرره الدين ويفرضه الواقع، ولكن القوم ساروا في ظل الخوف على الأمة من الفتنة والشتات والخوف سطوة هذا الطرف أو ذاك؛ لأن المؤمن بالقوة لا يتردد في استعمالها مع مخالفه أيا كان هذا المخالف، سواء من المتغلبين أو غيرهم من الخارجين عليهم.

والواقع كان يقتضي يومها بلورة فكرة الشورى التي جاء بها الإسلام، والإبقاء عليها خارج الهيمنة الاستبدادية؛ لأنها هي الوحيدة التي تحمي المجتمع من الاستبداد، ومن الخارجين عنه بالبدائل أفضل وانفع للأمة والإنسانية عموما.

2. الحاجز النفسي الذي بنيناه لأنفسنا في علاقتنا بالغرب الذي تطورت على يديه العلوم الإنسانية، بسبب ظلمه وتسلطه الذي منعنا من أن نثق فيه وفي ما يأتي من منه، بوصفه استعمارا عمل على استعبادنا وسرقة خيراتنا، وبسبب الاختلاف الجوهري الذي بيننا وبينه دينيا وثقافيا واجتماعيا، إضافة إلى انعدام صيغ التواصل بيننا وبينه، إلا في إطار سياسة الغالب والمغلوب، أو منطق العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، وسوء علاقة المسلمين بفرنسا وبريطانيا وغيرهما نموذجا لذلك في الفترة الاستعمارية وهي لا تخفى على أحد، كل ذلك كان مانعا من استفادة العالم الإسلامي، مما توصل إليه الغرب في مسألة العنف وتحييده في معالجة القضايا الإنسانية، حيث لم يعد مستساغا في الغرب اليوم اللجوء إلى العنف لحل مشكلات سياسية، سواء بين الدول أو بين الشعوب والأنظمة الحاكم لها، على خلاف العالم الإسلامي، الذي لا يزال إلى اليوم لا يؤمن بشيء في حراكه الاجتماعي كإيمانه باستعمال القوة، سواء من جهة الأنظمة الحاكم أو من جهة الشعوب.

3. الثقافة التي سوقت لها الأنظمة الحاكمة في شعوبها، وهي ثقافة استعمال القوة في نيل الحقوق وتحقيق المكاسب. فقد كان هذا النهج في إطار محاربة الاستعمار، وهو خطاب الحركات التحررية عموما، مصطلح الثورة والجهاد وافتكاك الحريات، ثم استمر الأمر بعد ذلك في إطار الدولة الوطنية، فكان الخطاب مثلا "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، كما كان تمجيد الثورات التي قامت بها الشعوب الإسلامية ضد الاستعمار، بِنَفَسٍ يوحي به بديلا لكل فعل تحرري إنساني، فكان هذا الخطاب في ثماره، منتقصا لكل فعل تحرري غيره، وعلى مشروعيته مهما كان هذا الفعل التحرري، ورغم أن الثورات في الحقيقة لم تنجح بمجرد الفعل المسلح أو التوجه العنيف، فإن ما برز منها إلى حد الآن هو عدد الشهداء والمعارك والوقائع وتفاصيلها المملة، في حين أن الثورات لم تنجح بالفعل المسلح وحده، إنما نجحت بالفعل السياسي، الدبلوماسي، الإعلامي، الفني، الرياضي وإلى ما هنالك من الوسائل الضاغطة على الاستعمار، فلو كان التسويق للتوجه الثوري الجهادي في إطار فعل تحرري مشروع استعملت فيه جميع الوسائل ومنها القتال، لكان الحال في الأمة غير الحال، ولَحُجِّم القتال ووضع في إطاره الذي جعل له.

4. وأخيرا واقع التخلف الذي تعيشه الأمة، وهو في الحقيقة الأساس في مجموع هذه الأسباب التي ذكرتها؛ لأن الشعوب المتخلفة بطبيعتها قابلة لكل ما هو سيء، وغير مدركة لما هو حسن؛ لأنها لا تملك أهلية الإدراك للتفريق بين ما هو سيء وما هو حسن؛ بحيث لا تدرك حسنات الحسن وسيئات السيء، إلا بعد التجربة، كالأطفال تماما عندما يقال لهم هذا حسن وهذا غير حسن !! ولكنهم عندما يجربون يكتشفون أن ما قيل لهم صحيح. والحياة الإنسانية لا تقبل التجريب، وإنما تستفيد من الوقائع التي مرت كتجربة تاريخية، تستفيد منها بتجنب تكرير الأخطاء.

  • print