تهمة "الإرهاب".. أُكلتُ يوم أُكل الثّور الأبيض

date 2017/07/10 views 3049 comments 0

في العام 1911م، دخل الإيطاليون ليبيا فقتلوا ألف رجل، ولم يكفهم ذلك حتى شنقوا النّساء عاريات، نكاية وإذلالا للّيبيين المسلمين، وعندما أعلن عمر المختار الجهاد ضدّ المحتلّ، أصدر علماء السّلطان -الذين سبق لهم واستقبلوا موسوليني- فتاواهم بأنّ عمر المختار ومن معه من المجاهدين، خوارج عصاة يجب قتالهم، وحينما وقع أسد الصّحراء في الأسر، ونفّذ في حقّه حكم بالإعدام وارتقى شهيدا، صدرت صحيفة "بريد برقة" تحمل على صفحتها الأولى عنوانا بالخطّ العريض: "القبض على عمر المختار زعيم العصاة في برقة".

هذا المشهد تكرّر كثيرا في تاريخ أمّة الإسلام، وها هو يتكرّر في هذه الأيام، والأمّة تشهد تحوّلات خطيرة، حيث تُهيّأ عبر خطابات إعلامية كاذبة وبيانات يصدرها بعض العلماء والشيوخ الرسميين، لتجريم كلّ فكر حرّ وكلّ سعي مقاوم للخنوع والخضوع.. قبل سنوات، قبلت الأمّة بتجريم المقاومة العراقية ضدّ الاحتلال الأمريكيّ بعد أن ألصقت بها تهمة "الإرهاب"، وتوالت السّنوات واستسيغت التّهمة وما عاد يُسمح لأحد بمناقشتها، ومن سوّلت له نفسه طرحَها للنّقاش كانت تهمة "الإشادة بالإرهاب" له بالمرصاد. وها هي التّهمة الآن توجّه للمنظّمات الخيريّة الإسلاميّة النّاشطة في الإغاثة والدّعوة إلى الإسلام في العالم، وتكال لعلماء ودعاة كانوا قبل أشهر قليلة ينعتون بالوسطية والاعتدال، والأشدّ نكاية من هذا أنّ الأمّة تهيّأ الآن لتجريم المقاومة الفلسطينيّة ضدّ الاحتلال الصّهيونيّ، ولعلّه لن تمرّ سوى سنوات معدودات حتّى تجرّم حركة المقاومة الإسلاميّة، ويوسم أبطالها بالخوارج ويصبح الدّفاع عنها والإشادة ببطولات جندها تهمة تقود صاحبها إلى المتابعات والمحاكمات، خاصّة وأنّ الإعلام الكاذب بدأ حملة آثمة توطّد لتطبيع العلاقات مع الكيان الصّهيونيّ وتهيّئ الرّأي العامّ الإسلاميّ للجهر بما كان المخادنون يستخفون به.

بدأ مخطّط تجريم المقاومة بحملة مركّزة ضدّ جماعة "الإخوان المسلمين" التي اتّهمت بالإرهاب بعد أن كانت جماعة تنعت بالاعتدال وتفتح الأبواب لقياداتها لبلوغ مناصب سيادية، وبعد أن أوصى تقرير مؤسّسة "راند" الأمريكيّة للعام 2012م بمدّ جسور التّواصل معها، على أمل أن توظّف لمواجهة "الفكر المتشدّد" ومحاصرته، لكنّها تحوّلت بين عشية وضحاها إلى جماعة إرهابيّة تصادر مقرّاتها وتلاحق قياداتها!.. ولم يمض وقت طويل حتى التفت إعلام "حمّالة الحطب" إلى حركة المقاومة الإسلاميّة حماس التي تذكَّر الماكرون فجأة أنّها تابعة للإخوان المسلمين، وأنّها يمكن أن تشكّل تهديدا لبعض الدول العربيّة التي تملك علاقات حسنة مع دولة الاحتلال!.

لقد استفاد المتربّصون بالأمّة من التّشرذم الحاصل بين المسلمين، وأخذوا يتدرّجون في الإجهاز على جماعاتهم، وكانوا في كلّ مرّة يتظاهرون برغبتهم في التّعاون ضدّ جماعة معيّنة مع الجماعات الأخرى التي ينعتونها بالاعتدال، حتى إذا بلغوا مرادهم، التفتوا إلى جماعة أخرى، وهكذا.. كان في وسع الغيورين على دينهم أن يتنبّهوا لهذا المخطّط ويتذكّروا قصّة الأسد مع الثّيران الثّلاثة، وقول الثّور الأسود حينما حان دوره في النّهاية ليكون لقمة سائغة للأسد: "أكلتُ يوم أكل الثّور الأبيض"، لكنّهم كانوا في كلّ مرّة ينحنون للعاصفة ويضطرّون للتّنازل وإظهار البراءة من الجماعة التي يقع عليها الاختيار، ليقيموا الحجّة على "المجتمع الدوليّ" بمساحات الاعتدال التي يظهرونها.

ربّما تمرّ الأمّة بوقت حرج في قابل السّنوات، يستطيل فيها المتخاذلون والعملاء ويمحَّص الأحرار والشّرفاء، ويملأ الإعلام الأفّاك الأجواء بالكذب والتّلبيس، والتّزوير والتّدليس، لكنّ الله الذي كتب ألا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، سيجعل تدبيرهم تدميرا عليهم، وسيُظهر أولياءه ويخزي أعداءه.

سيهلك في هذه الفتنة فئام من المسلمين، يريدون دينا لا يتعارض مع أهواء نفوسهم التي تعشق الدّعة والرّاحة، ولا يدعوهم إلى جهاد عدوّ باغ ولا إلى قول كلمة حقّ أمام سلطان جائر يفسد دنيا الأمّة ويخذل دينها، لكنّ أحرار الأمّة لن يغترّوا بالشّعارات الكاذبة التي يطلقها أعداء الأمّة ويردّدها أولياؤهم ممّن اشتروا الحياة الدّنيا بالآخرة وباعوا دينهم بعرض من الدّنيا بدا لهم أنّه كثير لكنّه في ميزان من يعلمون حقيقة الحياة الدنيا قليل.

  • print