محرقة.. و"شهود لم يشاهدوا شيئا"!

date 2017/07/14 views 1738 comments 6

حتى انتقاد تعامل القمة والقاعدة، مع المحرقة أو المأساة، التي تعرضت لها غابات الجزائر في الأسبوع الأخير، هو ردّ فعل، في غير حجم جريمة الصمت، التي اقترفناها، تجاه آخر الثروات المتبقية، في بلد أحرق الأخضر الذي رسم تاريخ البلاد وجغرافيتها على مدار العصور.

وإلى غاية كتابة هذه الأسطر، والنار تزيل ملامح غابات بجاية من الوجود وتبيد أشجار جيجل وميلة وسكيكدة وتصحّر تيزي وزو وسطيف وتبيد مئات الهكتارات من جمال متيجة ومستغانم، لم نسمع عن وزير أو رئيس حزب تألم على الأقل، لحال الغابات التي لا ذنب لها سوى أنها وجدت في بلد أنشأ على مدار عقود حقائب وزارية خاصة بالغابات وبالري وبالبيئة، ولم ينشئ ثقافة الشجرة الموجودة في كامل بلاد العالم بما في ذلك في أدغال كينيا وتانزانيا وأوغندا، حيث يؤمن الناس بأن وجودهم مرتبط بما تقدّمه لهم الشجرة، ويؤمنون عندنا بأن وجودهم يجب أن يكون على حساب الشجرة.

السيد الوزير الأول منشغل بالمناطق الصناعية الجديدة التي لا صناعة فيها، وأعضاء حكومته غارقون في المشاكل "المادية" التي تعاني منها البلاد، ورؤساء الأحزاب يبحثون عن مواقع في الخارطة المحتملة لرئاسيات 2019 وخطف مقاعد "التشريف والمزايا" في المحليات القادمة، والجمعيات التي يقال بأنها تهتم بشأن المواطن، تريد متاع عقار ومساكن، والمواطن رسم لنفسه أهدافا لا علاقة لها بالمواطنة، بينما للغابة رب يحميها.

اليابان التي تقلّ مساحتها عن مساحة الجزائر، بنحو الثمن، غرست أكثر من ربع مليون كيلومتر من الغابات في نصف قرن، وحوّلت بالرغم من أن عدد السكان فيها يقارب 130 مليون نسمة نسبة الغطاء الأخضر فيها إلى 67 بالمئة، من المساحة الإجمالية للبلاد، بينما قلّصت الجزائر بزحفها الإسمنتي والحرائق التي غالبيتها بفعل فاعل وبصمت السلطة والناس، مساحة الغابات إلى دون الأربعين ألف كيلومتر، ودون الواحد بالمئة من مساحة البلاد، والأكيد أن القادم وما خفي، أيبس وأسود، في بلاد باشرت جهادها الأكبر بشعارات الثورة الزراعية والسد الأخضر، ثم أحرقتها مع احتراق الغابة التي ورثناها من قرون، وحسدنا عليها الكثير.

ما حدث في الساعات الأخيرة هو مأساة وطنية بكل المقاييس، وإذا كان الموت حقا وقضاء وقدرا سواء طال الإنسان أم الحيوان أم النبات، فإن الباطل هو ألا نذرف دمعة على الذي راح، والجريمة هي أن نسهم في القتل، ولو بالصمت المطبق الذي زاد من الجرح وجعل المأساة أعمق.

سيكون من العبث أن نتوهم أنه لا سبب للحرائق، وجيراننا الذين هبّت عليهم عاصفة الحرارة لم تمسسهم النار، وسيكون انتحارا لو مرّت هذه المأساة من دون عقاب للمتسببين فيها، لأننا بهذه السياسة إنما نسير إلى توريث أبنائنا وأحفادنا أرضا بورا لا بترول فيها ولا أشجار، وحينها سنكون قد ارتكبنا ذنبا، يبقى إثمه يتبعنا إلى يوم الدين.

  • print