غزة تعاقب بالعطش حينا وبالسراب أحيانا

date 2017/07/14 views 842 comments 0

ما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن تصريحات للسيد محمد شتيه والسيد عزام الأحمد، أشاع مناخا من الإحباط واليأس لدى أهل قطاع غزة، الذين لم يتصوروا قطّ ولو لدقيقة واحدة أن تقف قيادات فتحاوية ضد حياة مواطنين فلسطينيين، وأن تسهو هذه القيادات عن أهمية وحساسية الحسابات الجهوية والشخصية والفئوية والمناطقية، فلقد كانت فتح دوما هي القاطرة الوطنية للكل الفلسطيني، ولقد أسبغت جميع التوجهات بروحها وفلسفتها ونمطية سلوكها الوطني بل أسهمت بقوة في صياغة مشاعر الكل الفلسطيني تجاه المنطقة بأنظمتها وتياراتها السياسية والاجتماعية.

وقبل أن نذهب عميقا في تعقب الكلمات، لابد من التنبيه إلى أنه ينبغي ألا ننجر وراء لعبة الكلمات المتقطعة والصياغات الإعلامية الموجهة، فنقع في مغبة التعمية والتضليل، فنقوم بذلك بدور رديء في تسميم الأجواء وإفقاد الفلسطينيين الثقةَ فيما بينهم. وهذا غاية ما يريده العدو الصهيوني.

ولكن تلك المقتطعات من كلام الدكتور شتيه أو السيد عزام ما كان لها أن تجد صدى لولا المناخ العام الذي يتردد بين الفلسطينيين اليوم.. فواقع الحال أن هناك رواتب لموظفي غزة يتم الخصم منها بنسب متفاوتة تصل إلى النصف، وأن هناك كهرباء معدومة أو شبه معدومة في غزة، وأن هناك إغلاقا وحصارا يزداد سوءا بحرمان مرضى السرطان والأمراض الخطيرة من العلاج في الخارج، وأن هناك عشر سنوات أو أكثر لم يتم فيها توظيف أي فلسطيني من أبناء غزة، وأن الموظفين لم يتمتعوا بترقياتهم وحوافزهم الوظيفية على مدار الأعوام الأحد عشر.. وصحيح أن هناك تجاوزات تطال طبيعة المؤسسة الوطنية إلى درجة تدق فيها أجراس الخطر فيما تمثله من توجهات أحادية إقصائية تُحدث الخلل في التركيب الوطني للمنظمة والسلطة وفتح.

واقع الحال، أن هناك رواتب لموظفي غزة يتم الخصم منها بنسب متفاوتة تصل إلى النصف، وأن هناك كهرباء معدومة أو شبه معدومة في غزة، وأن هناك إغلاقا وحصارا يزداد سوءا بحرمان مرضى السرطان والأمراض الخطيرة من العلاج في الخارج.

إننا إزاء قضية حياتية غاية في التعقيد يبرز البعد الإنساني فيها أكثر من البعد السياسي.. لهذا تصبح مبررات المواقف الإجرائية لمعالجة الخلل والخطإ غير مقنعة وغير متفهِّمة.. وحتى نقترب من صياغة الجملة المناسبة نبدأ بالقول إن ما قامت به حماس قبل أحد عشر عاما إنما هو سابقة سياسية خطيرة تحرم حماس من المصداقية والالتزام الوطني نحو الآخر وتجعلها في وضع الريبة دوما مهما كان لها من دور مشرِّف في مقاومة العدو.. وهذا في حد ذاته يستوجب تصرفا وإجراء حاسما من قبل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة كما يستوجب موقفا سياسيا من قبل كل التنظيمات الفلسطينية لوضع حد لأي محاولة قادمة على هذا المنوال، لاسيما أن هناك تجربة حقيقية لتكريس مبدإ التداول السلمي على السلطة وكون صندوق الانتخابات هو الفيصل لدى شعب يكتنز تجارب العالم وخبراته ويتحلى بدرجة عالية من الفهم والحرية والكرامة.. هذا كله صحيح.

وأيضا، لابد من العروج إلى الموقف من أزمة دحلان مع اللجنة المركزية وفتح ورئيسها عموما.. وبعيدا عن الوصف الأخلاقي للموقف والقرار الذي اتخذ في حقه، فإن هناك قرارا من اللجنة المركزية لحركة فتح بإبعاده عنها. وهنا لا نريد الخوض في مسألة الإنصاف والدِّقة أو غيرها.. نريد الاتجاه إلى تشخيص الحالة دون الحديث عن معيارية القرارات التي اتخذت لأننا لا نريد إضافة عوامل توتر أو النبش عليها..

ما كان لحماس أن تتوقع أن يهديها أبو مازن وقادة السلطة باقة ورد على ما فعلت من انقلاب وتعسُّف في فرض الأمر الواقع الأمر الذي يهدد وحدة الكيانية السياسية الفلسطينية.. ولهذا أصبحت المعاناة حالة في سلسلة تعقيدات متواصلة دفع الشعب في قطاع غزة ثمنها من حصار وحروب وبطالة وجوع ومآس.. ولم تُجدِ الوعود بالانفراجات فلم تقم تركيا ولا قطر بما ظنته حماس لإنقاذ الوضع في غزة حيث تزداد الاحتياجات ويشتدُّ الخناق.

وما كان لدحلان أن يتوقع أن السلطة وفتح بالذات ستقبل له نشاطا في ساحات رئيسية لها فيما هو لا وصف تنظيمي ولا تكليف تنظيمي له.. فلقد عُرف عن فتح عصبيتُها التنظيمية الديكتاتورية عندما يخرج عنها شخصٌ أو مجموعة، حيث يكون غير مهم لدى فتح حجم الخارجين ولا فعاليتهم، ويكفي الإشارة إلى أصحاب خيار فتح الانتفاضة الذين كانت الساحة السورية واللبنانية بين أيدهم وكانت تدعمهم سورية وليبيا بقوة المال والسلاح ولكن فتح الشرعية تجاهلتهم وتركتهم للسنين تقضي عليهم وتهمِّشهم.. وهذه ليست المرة الوحيدة التي واجهتها حركة فتح.. وهذا سر من أسرار فتح يدركه كل من فهمها واقترب منها.. ولدى فتح حساسية بالغة من الاستقواء بالنظام العربي ولعل تجربتها الأولى كانت بتصفية من حاول الاستئناس والاستقواء بالدولة السورية في المرحلة الأولى من الثورة.

من الصعب جدا أن يتم الصلح بين مجموعات دحلان أو ما يسميه البعض التيار الاصلاحي وبين فتح الرسمية، بل إن اقتراب أي منهما إلى حماس أيسر من اقتراب أحدهما إلى الآخر.. هي قوانين الانشقاق والتباغض والتنافر كل يوم تحدث تراكمات وقصصا ووقائع ونفورا إضافيا. وما كان لدحلان أن يتوقع من حركة فتح التي أصبح قائدا فيها إلا القسوة بقوة على كل من يستقوي عليها بقوى من خارجها.. لا يهمُّ هنا صلاحية شعارات دحلان أو عدمها، المهم هنا تأمل قوانين فتح الداخلية التي تُفهم ولا تكتب ولا تقال، فحركة فتح "قبيلة" شديدة التماسك والعصبية مهما بدا للبعض من تردٍّ في أحوالها أو ارتباك في إدارتها أو انتقادات من عناصرها، فإن كلمة واحدة تجمعها يكفي أن يهتف أحد الجالسين في القاعة: "غلابة يا فتح" حتى يهتف الجميع وينسوا لبعضهم اختلافاتهم، المهم عندهم ألا يتم الاستقواء بمن هم خارج القبيلة.. إن ما حصل مع دحلان من قبل اللجنة المركزية وقرارها هو إبعاد له لأسباب لا مجال لذكرها ولكنه بنشاطه السياسي في أماكن وجود الفلسطينيين وهجومه المستمر على رأس السلطة، وهنا لا يهم أن يكون كلامه دقيقا أو غير دقيق.. إن كل هذا جعله في صف المنشقين عن فتح، وهنا تتحرك فتح بحساسيتها التنظيمية نحو الإقليم ونحو الشعب بخطاب حاسم واضح، إن أولئك النفر لا يمثلوننا.

غزة وقعت تحت ظلال السيوف في هاتين المعركتين؛ الأولى انقلاب حماس على المؤسسات الشرعية ومواجهة السلطة لتداعيات التي حصلت بإجراءات جعلت الحياة في القطاع أمرا لا يطاق، والثانية ظاهرة دحلان ومحاولاته التحرك في دوائر خاصة بالسلطة متجاوزا صلاحياتها وتجلَّى ذلك بصورة واضحة في محاورة حماس والتوصل معها إلى اتفاقيات، الأمر الذي جعل العديد من أتباع مجموعة دحلان تتعرض للفصل وحرمانهم من حقوقهم الوظيفية.. 

ومن المفارقات أن الخصومة بين دحلان وحماس هي السبب في تحرك حماس قبل عشر سنوات بالهجوم على المؤسسات الأمنية، حيث كان تشطيب وضع دحلان هو الهدف المعلن لحماس.. ويتم التوجه الآن إلى اللقاء الضرورة بين حماس ودحلان، حيث توفر حماس له العودة إلى المربع السياسي، وهو يوفر لها فك حصار وشبكة أمان إقليمية.

الآن، هناك آمال عريضة تقدَّم من خلال تصريحات متتالية من قبل حماس وجماعة دحلان بأن الضغط سيزول عن غزة وتفتح المعابر وتأتي الكهرباء وتخفف البطالة، بمعنى أن الذي يحدث الآن من تقارب بين جماعة دحلان وحركة حماس إنما هو بوابة لفعل حقيقي بالانفراج.

لكن يبدو أن الأمور لن تسير وفق ما يروج له من سيناريو، حيث لا يزال الأمر عالقا في ثنايا التفصيلات ولن يقبل عباس بما يمثله من رأس الهرم السياسي الفلسطيني أي تجاوز لصلاحياته في التوقيع مع أي دولة عربية على أي أمر له علاقة بالسلطة والمنظمة والشعب الفلسطيني.. فقد ينجح دحلان وحماس في بعض التفصيلات كالمصالحة المجتمعية لكن من المشكوك فيه أن ينجحا في تكريس أمر واقع سياسيا.

حتى نتحرر من السراب ونتقي العطش، لابد من اختصار الطرق والابتعاد عما ينفِّر ويزيد في إفساد ذات البين.. فلتتوجَّه حماس إلى تنفيذ ما يُتفق عليه بشفافية ويتجه دحلان إلى الاقتراب من الشرعية بكل الوسائل أو ليصبر على ما يلحقه من أذى حتى يُصلح الأمر بفعل سبب من الأسباب..

غزة تدرك أن كل الوعود سراب وأن السكين تقترب من رقبتها وأن الموت والانتحار الجماعي يكمن في التشبث بحلول جزئية، كما أن غزة لن تنفجر في وجه حماس مهما بلغ سوء الأوضاع، كما أن على السلطة بحكم الشرعية التي تتحلى بها التحرك بشكل أكثر استجابة لحاجة الناس وعدم الانزلاق لمعاقبات جماعية لناس أبرياء ليسوا ضمن الحسابات النزاعية على السلطة والتحرك لاختراق التشتت الفلسطيني ولملمة التفرقة في صف واحد، لأن الشرعية وحدها لا تكفي ولا تحمي إن لم تكن مزودة بخطة حكيمة حاسمة. وهناك خطر كبير من انفلات الأمر ليس لصالح الطرف الفلسطيني الآخر، بل لصالح الفوضى والتنازع الدموي.. تولانا الله برحمته.

  • print