كان يرتدي الزي الأفغاني ويمتطي صهوة جواد أبيض (الحلقة السادسة)

تشارلي ولسون... عضو الكونغرس الذي تصدّر صفوف المجاهدين!

date 2017/07/14 views 9876 comments 7
  • الإسلاميون اعتبروه كرامة أخرى من كرامات الجهاد
author-picture

icon-writer نور الدين تويمي

باحث عصامي

لعب المال في الجهاد الأفغاني أكثر الأدوار قذارة، وهو الذي أودى في نهاية المطاف بالجهاد الأفغاني، فحوّله من قضيّة شعب مستضعف يريد التحرّر من احتلال قوّة أجنبية تدعمّها قوى محليّة عميلة، إلى قضيّة ارتزاق.

وقد انتبه جون كولي، في كتابه "حروب غير مقدّسة"، إلى هذه العلاقة التي ربطت المال بالجهاد الأفغاني وأثارت انتباه الأستاذ هيكل فعلّق عليها بالقول: (... وعندما أصبح أمراء الحرب الأفغانية طلاب ثروة تجري حولهم أنهار سواء من صندوق الجهاد الإسلامي المشترك بين الولايات المتحدة والمملكة العربيّة السّعوديّة في جنيف، أم من فوائض زراعة وتجارة الأفيون، أم من رسوم السّماح بمروره عند حواجز الطّرق بين أمراء الحرب، فإنّ جماعات الجهاد الإسلامي تحوّلت إلى قوات مرتزقة.. والحقيقة، أنّ جون كولي، مؤلف كتاب "حروب غير مقدّسة"، كان موفّقا إلى أبعد حدّ في اختياره القول المأثور الذي استعاره من قائله الأصلي ليصدر به كتابه. فقد اختار "كولي" لتصدير كتابه فقرة كاملة من كتاب الأمير الذي ألّفه ماكيافيلّي على شكل رسالة إلى "لورنزو العظيم"، أمير فلورنسا.. وقد تحوّل هذا الكتاب إلى عمل تأسيسي في بناء علوم وفنون السّياسة. وفي تلك الفقرة التي اختارها جون كولي من كتاب الأمير، يقول ماكيافيلي: إن الجنود المرتزقة بلا فائدة للأمير وهم خطر عليه، لأنّ الجنود المرتزقة دائما منقسمون فيما بينهم عطاش إلى القوّة، وغير منضبطين برباط أيّ نوع من الولاء...).

وقد دخل بعض أفراد الجيش الباكستاني في لعبة "المال الفاسد"، ما جعل الأمريكان يتوجّسون خيفة من نتائج ذلك. ويشير ستيف كول في حروب الأشباح إلى الكثير من وقائع الفساد المالي في التّعامل مع الباكستانيّين، عسكريّين ومدنيّين. ومن هذه الوقائع، ما يذكره في صفحة 107 من كتابه: ... فقد تمّ إلقاء القبض على ضباط في "الأي أس أي" (المخابرات الباكستانية)، وهم يتآمرون مع ثوار أفغان للاستفادة من بيع الأسلحة التّي تؤمنها "السي أي إيه". وفي مثال آخر، باع الجيش الباكستاني سرّا إلى "السي أي إيه" مخزونه الخاص، بنادق من عيار 303 و30 مليون رصاصة، واستلمت سفينة مسجلة في سنغافورة 100 ألف قطعة سلاح في كراتشي ثمّ أبحرت والتفت وعادت إلى المرفإ. وأفرغت الأسلحة، مدعيّة أنّها أقبلت من الخارج، إلاّ أنّه تمّ كشف الخطّة، فالرصاصات تحمل دمغة مصنع باكستان للمعدّات الحربيّة. وتوجب على "الأي أس أي" دفع مبالغ كبيرة بغية إزالة دمغة الرّصاصات الباكستانية كيلا يستطيع الشيوعيّون استغلالها كدليل على دعم باكستان للمجاهدين في حال استعملها الأفغان أو التقطها السّوفيات...) والحقيقة، أنّ باكستان ومنطقة بيشاور بالذات تحوّلت إلى مركز تجميع الأموال الواردة من السّعوديّة والمخابرات الأمريكيّة والتبرّعات من العالم الإسلامي التي لم أجد أيّ مرجع عربي أو غربي يتحدّث عنها أو يعطي رقما تقديرّيا لها. وأنا شاهد على أنّ الشعوب الإسلامية "الغنية والفقيرة" لم تبخل على الشعب الأفغاني بالتبرّع ويكفي أني رأيت كيلوغرامات من الذهب في مدينة غرداية وحدها ترسل إلى أفغانستان عن طريق الشيخ محفوظ نحناح.

فكيف هي حال شعوب دول الخليج مثلاً.

والقارئ الكريم، إذا أراد التّعرف على حجم المال المتداول في بورصة الجهاد الأفغاني، فليتابع قصّة "بنك الاعتماد والتّجارة"، لصاحبه ورئيس مجلس إدارته السيد "أغا حسن العابدي". وهي موجودة في كثير من المراجع، ومنها المراجع التي اعتمدناها في كتابة هذا الفصل.

وهذا البنك، ما هو إلاّ نموذج لكثير من المؤسسات المالية التّي دخلت على خطّ دعم الجهاد الأفغاني في البلاد العربيّة التي كانت تتبنّاه علانية (دول الخليج – مصر)، أمّا الدّول العربيّة الدّاعمة سرّا، فالتبرّعات للأفراد والجهات الإسلاميّة هي التي لعبت دور البنوك.

والمال العلني عرضة للتّحويل، فكيف بالمال السّري؟ وقد رأينا في الجزائر في نهاية العشرية السّوداء كيف "تسارق" بعض قادة الجماعات المسلّحة وتقاذفوا التّهم عن المال ولا شيء يحرّف المسارات ويصرف عن الغايات مثل "السّريّة" إن كان ذلك في الأفكار أو الأموال. وقد تتبّعت أسباب هزيمة عبد الرّحمان الغافقي في بواتيه نحو 70 كلم جنوب باريس في نحو 30 مرجعا عربيّا وغربيّا، فرأيتها تجمع على أنّ السبب مال الغنائم الذي أثقل أكتاف الفاتحين، وهو مال مشروع بمنطق معيّن، لأنّه غنائم حرب، فكيف بالمال السّريّ المغتصب؟ وكم من ضحايا في المأساة الأفغانية بسبب ألاعيب المال؟

ترى، كيف تكون حال جهاد، اتّخذ قرار إعلانه أعتى جهاز مخابرات في العالم؟ وما هو دور المال الذي تقدّمه هذه الدّوائر المخابراتية يا ترى؟ وتحضرني الآن واقعتان عن حجم هذا المال، إحداهما شفهيّة، والأخرى في كتاب "حروب الأشباح".

 

المال المخابراتي في الجهاد الأفغاني ورواية محمد كنيوة (أبو إبراهيم): 

ودور المال غير خاف في تحريك عجلة الأهداف المسطرّة. فقد أخبرني الأخ محمد كنيوة (أبو إبراهيم) (من مدينة سوف العامرة، عمل بنّاء في مدينة غرداية لسنوات طويلة، وبعد ذهاب العرب المتطوعّين إلى أفغانستان، ذهب معهم، ولكنّه حافظ على الكثير من سَمْتِهِ الجزائري. وهو الآن مقيم في بريطانيا كلاجئ سياسي) عام 1994م في موسم الحج وفي اليوم الثّاني من عيد الأضحى المبارك في مخيمّات الجزائريّين في منًى. فبعدما تصافحنا، سألته: هل طُرِدْتُم؟ فقال: نعم. فقلت: حدّثني عن مشاهداتك. فقال: بعد اشتعال المعارك في كابول بين مسعود شاه وحكمتيار، وجدنا أنفسنا كالأيتام على مأدبة اللّئام، واضطُرَّ أغلبنا إلى الانكماش على أنفسنا. ثمّ أردف، بأسفٍ: تصوّر أنّه زارنا في مضافة الجزائريّين في بيشاور رجل خليجي يركب سيّارة طويُوطا من أحدث طِرازٍ، شحنت مقاعدها عن آخرها بحقائب مملوءة بالدّولارات الأمريكية، وبعد نزوله من السّيارة بصناديقه، قال بصوت مرتفع: هيّئوا أنفسكم، أيّها الجزائريّون.. بعد أفغانستان، سينتقل الجهاد إلى الجزائر. وواصل محمد كنيوة فقال: قلتُ له: بعد أفغانستان، بلدك أولى بأن ينقل إليه الجهاد. فالجزائر، أدت واجبها الجهادي في حربها ضدّ الاستعمار الفرنسي. قال: فما كان منّه إلاّ أن أعاد وضع صناديقه في سيارته، وعاد من حيث أتى. فعلقت على هذه الواقعة لراويها: وأين نحن من الصّورة التّي سوّقت عن الجهاد والمجاهدين وأنّهم فقراء وجَوْعَى؟ قال: ذلك حديث إعلامي. لو أردنا التّحوّل إلى مرتزقة لحصلنا على مئات الآلاف من الدّولارات كما فعل غيرنا.

ويؤكد حقيقة حجم المال المتدفّق على باكستان وبيشاور ستيف كول في حروب الأشباح، السّجل الخفي للسي أي إيه لأفغانستان ولـ "بن لادن".

في فصل "أحببت ابن لادن" يقول: (... أوفد الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السّعوديّة، بعد الغزو السّوفياتي بوقت قصير، باديب إلى باكستان مع ورقة اتصالات المملكة: الدّولارات النقدية أصبح جهاز الاستخبارات السّعودي بالإضافة إلى الجمعيات الخيرية السّعوديّة التي تُدير وكالة التجسُّس في بعض الأحيان أموالها الرّاعي والدّاعم الأكرم لـ"الأي أس أي" متفوقّا بذلك على "السّي أي إيه" نفسها. قاد الجنرال أخطار أحمد باديب إلى اجتماع مع الرّئيس ضياء الحقّ في روالبندي، حيث أعلن باديب أنّ السعودية قرّرت تزويد "الأي أس أي" بالمال كي يتمكّن جهاز الاستخبارات الباكستاني من شراء قاذفات صواريخ دقيقة من الصّين وأسلحة أخرى ستكون أموال باديب هي الأولى من بين دفعات عديدة، يذكر باديب أنّه بينما كان يتحدّث مع ضياء الحقّ في تلك الليلة تطفّل خمسة جنرالات في" الأي أس أي" وفتحوا صناديقه في غرفة مجاورة وعدّوا النقود... قال لهم في الغرفة الثانية وهو يمزح: انتهينا من عدّها، هي جديدة والأرقام التسلسلية موجودة...).

هذا غيض من فيض ممّا حدث في كواليس الدّول المحوريّة في "المأساة الأفغانية" الولايات المتحدة الأمريكية، مصر، السّعوديّة، باكستان وفي أوج عمليّة غسل الأدمغة وصناعة رأي عام حاضن لمشروع "الجهاد الأفغاني" لم يكن أحد يتصوّر أنّ كلّ ما حدث في الثمانينيات من القرن الماضي وراءه المهندس الأوّل للفكرة زبينجيو بريحينسكي. ورغم وجود بعض الأصوات– المبحوحة- التّي لا تكاد تسمع، تحذّر من المؤامرة الأمريكية رغم أنّها لا توثق طرحها بأيّ دليل أو وثيقة، فالانفجار المعلوماتي والتّسريب المخابراتي لم يبدأ إلاّ في بداية الألفيّة الثالثة، وإنّما كانت هذه الأصوات تستند إلى العقل أكثر من استنادها إلى الوثيقة، فهي غير مقتنعة بوجود جحافل من الدّعاة المسوّقين للجهاد الأفغاني في كلّ الولايات والمدن الأمريكية. فقد شاهدنا وقتذاك الشّيخين "عبد الله عزّام" و"عدنان التّميمي" يجوبان أغلب المدن الأمريكية باللّباس الأفغاني، يحاضران ويسوّقان ويجمعان المال ويوزّعان المطويات والجرائد المسوّقة للجهاد الأفغاني.. فلا اللّوبي الصّهيوني اعترض ولا المحافظون الجدد- الذين كانت بدايتهم ظاهرة للعيان- احتجّوا، إنّما الجميع خاصّة كبار دوائر ووسائل صناعة الرّأي العامّ تعمل بكلّ طاقاتها لنشر "عقيدة الجهاد الأفغاني". فإذا كان المال ينفق بالطرّيقة التي أشرنا إليه فيما سبق من هذه الأوراق ليس على شراء الأسلحة فقط بل وشراء الذّمم وتجنيد كلّ الوسائل- لغسل الأدمغة وصناعة الرّأي العامّ- الشّعبي الحاضن للجهاد الأفغاني، فمازال هذا المال يفعل فعله في المأساة السورية اليوم وفي حرب المائة سنة بين الشيعة والسنة.

ولا تعجب، قارئي الكريم، عندما ترى صورًا لـتشارلي ولسون عضو الكنجرس الأمريكي باللباس الأفغاني يمتطي صهوة حصان أبيض في صورة له مع المجاهدين الأفغان على جيادهم ولعب هذا العضو أخطر الأدوار في دعم المجاهدين الأفغان.

وهو الذي كان وراء فكرة تزويد الأفغان بصواريخ "ستينجر" بعد الأدوار المخيفة التي لعبتها المروحيّات السّوفياتية "هايند" التي لم تكن تتأثّر برشّاشات "الدّوشكا".. هذا النائب الأمريكي يمثّل صورة التسويق الإعلامي لعقيدة الجهاد الأفغاني. ومن أراد أن يطّلع على دوره فليقرأ كتاب "حرب تشارلي ولسون" بالإنجليزية أو يشاهد فيلم هوليودي بنفس العنوان.

وأذكر يومها أنّي قرأت مقالة في بعض ما كان يصدره عبد الله عزّام في جريدة لم أعد أتذكّر كاتب المقال الذي كان ينوّه بالنّائب تشارلي ولسون ودوره في دعم المجاهدين الأفغان، وفي نفس الوقت يتأسّف على التّخاذل من بعض الإسلاميّين الذي مازالوا يشكّكون في حقيقة الجهاد الأفغاني. وأتذكّر جيّدا أنّه ختم حديثه بالتّأكيد على أنّ الله سخّر أمثال تشارلي ولسون لدعم المجاهدين، فهو كرامة من الله تضاف إلى الكرامات التي لا حصر لها وذكر بعضها عبد الله عزّام.

وكنّا يومها "أنا والكثير من أقراني وأبناء جيلي" نتناغم مع هذه الطّروحات ولا نستطيع أحيانا هضم كلّ ما يقدّم لنا، فكنّا نلجأ إلى عملية "تجميد عقلي" لكلّ ما هو "غير عقلي" مبرّرين هذا الموقف بالقول: قد تكون هناك أمور لا نعلمها ويستحيل أن يتوافق ويجمع كلّ هؤلاء المتحدّثين والمنوّهين بالجهاد الأفغاني على نفس الموقف لولا أنّه الحقّ لقوله صلّى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتّي على ضلالة".

وفي تلك الظروف والأوقات العصيبة كان العقل غائبًا والوعي مهاجرًا على طريقة توفيق الحكيم لما انتقد سكوته عن أخطاء عبد الناصر ولمّا تولّى الحكم السّادات كتب كتابه المشهور "عودة الوعي"، يشرح فيه غياب وعيه لشدّة انبهاره بشخصيّة عبد النّاصر.. وهو ما حدث لأبناء الأمّة الإسلاميّة لمّا بلعُوا الطّعم وانغمسوا في "هوجة" ميتافيزيقية ألغت كلّ السّنن الجارية التي يعمر بها الكون واستبدلتها بسنن خارقة لا مجال لها إلاّ في سيرة الأنبياء والرّسل عليهم الصّلاة والسّلام.

والغريب أنّ المقدّمة التّي قدّم بها عبد الله عزّام في كتابه آيات الرّحمان في جهاد الأفغان غرف فيها من معين أسوإ العصور الإسلامية انحطاطا التي ألغت العقل تماما وألغت اجتهادات كلّ عقلاء الأمّة الإسلامية. وللتّدليل على صحّة ما كتب أكدّ:

أنّ الكتاب المخطوط عرضه على الشيخ عبد العزيز بن باز وأنّه أقرّ كلّ ما ورد فيه لتصل طبعات الكتاب إلى ما يزيد عن 30 طبعة شرعيّة ومئات الطبعات غير الشرعيّة.

يحدث كلّ هذا في خِضّم استعمال الصّور استعمالا بسيكولوجيّا مؤثرًا – وأصبحت بذلك "عقيدة الجهاد الأفغاني" نموذجا يُحتذى به. فأنّى لأبناء الحركات والمدارس الإسلاميّة وحتّى الوطنيّة ألا تتفاعل مع الجهاد الأفغاني؟ ومن هؤلاء مختار بن محمد بلمختار وغيره من عشرات الآلاف من الشّباب في طول وعرض العالم الإسلامي، بل وفي طول وعرض العالم كلّه من أستراليا إلى كندا ومن السّويد إلى جنوب إفريقيا.. هؤلاء الذين تركوا كلّ شيء والتحقوا بجبهات القتال.

هكذا قدّم الجهاد الأفغاني وهكذا صُنع على عين المخابرات الأمريكيّة وهكذا تابعنا ما كان يحدث في الكواليس وفي الغرف المغلقة. فمن هم الشّخوص والشّخصيات؟ وما هي المؤسسات والجماعات؟ التي تتحرّك ميدانيًّا لتنفيذ ما أمرت به الدّوائر المخابراتية.

إنّها الجماعات والجمعيّات والتنظيمات الإسلامية في العالم الإسلامي. وإنّها كذلك الشّخصيات الإسلامية الدّعويّة والحركيّة التي تعمل في الساحة الإسلاميّة، كما أنّها الحركات والأحزاب الإسلامية والوطنيّة الأفغانية العاملة في السّاحة الأفغانية.

وكل هؤلاء فيهم الغافل الذي آمن بمنطق تقاطع المصالح وفيهم المجند المرتزق الذي يعرف حق المعرفة الخلفيات والمسارات ولكنه مضى ينفذ "الأجندة" كما هي.. والنتيجة، ما تعانيه أفغانستان إلى هذه اللحظات وإلى الفصل الثاني ومع الفاعلين في الساحة الأفغانية.

  • print