على هامش تصريح السفير السعودي!!

date 2017/07/15 views 5620 comments 10

عندما استمعت إلى تصريح سعادة سفير المملكة العربية السعودية بالجزائر، بأن حركة حماس، حركة إرهابية، أول ما خطر ببالي، هو هل لهذا التصريح علاقة بذلك بأقوال الإمام الشاب الإماراتي الأردني الذي استقدمته نفس القناة إلى الجزائر، لينال من جماعة الإخوان المسلمين في محاضراته ومداخلاته الإعلامية؟

ورغم أن التصريح كان مرعبا ومفزعا بالنسبة إلي، إلا أني لم أتساءل في البداية التساؤل الطبيعي وهو ما مبرر هذا التصريح  في واقعنا اليوم؟ وما علاقته بأحداث الخليج، التي لا يمكن للعرب أن ينسجوا على غير منوالها؟ وضبط موجات النغم على إيقاعها الذي أطلب أعداء الأمة كما قال بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وإنما الذي استبد بي هو الربط اللاشعوري لعلاقة هذا التصريح بأقوال ذلك الشيخ الإمام الشاب، الذي لقي استهجانا كبيرا في اوساط الجزائريين.

ربما كان السبب هو علاقة الموضوع بالقاسم المشترك، وهو أن الإمام الشاب جاء ليبشر بالمذهب الجديد وهو غضب بعض الخليج على جماعة الإخوان المسلمين، وعلى الجزائريين أن ينتبهوا لذلك، وتصريح سعادة السفير، الذي هو على غير العادة الدبلوماسية السعودية، فقد كان في نفس السياق وهو تثوير الشعب الجزائري على حركة حماس بوصفها بالإرهاب.

على كل حال مهما كانت مبررات هذا الشعور الذي انتابني، فإن علاقة هذا الموضوع بما يحدث في الخليج هذه الأيام يصب في نفس المصب؛ بل إن القرار السياسي الخليجي الآني اليوم، بسبب ما وقع بين قطر والدول المقاطعة لها، لم يشهده الخليج في تاريخه، والموقف من حركة حماس ومن جماعة الإخوان المسلمين، لم يعرفه الخليج في تاريخه الطويل؛ بل إن الخليج كان هو المحضن الحامي للإخوان المسلمين وكل ما له علاقة بحركة التحرير الفلسطينية بفصائلها الجهادية. 

أنا لا ألوم سعادة السفير على موقفه الذي يتناغم مع موقف بلاده في أزمة الخليج الآنية، وإن كنت لا أراه موفقا لمحدوديته وظرفيته العابرة، المخالفة لتاريخ الدبلومسية السعودية فيما يتعلق بقضايا الأمة الإسلامية، وإنما أتساءل حول جملة من الأمور، أراها ملفتة للإنتباه.

أولا: هذا التحول الخطير في المواقف الخليجية من قضايا الأمة الإسلامية، ومن نهوضها واستقلالها، التي تصب في مجملها في صالح المصلحة الغربية والأمريكية الصهيونية تحديدا.

لقد كان الخلاف بين دول الخليج، خلافا تنافسيا له أسبابه الموضوعية؛ بل لم تخل منه مرحلة من مراحل تاريخ المنطقة، ولا يزال وسيبقى، ولكنه كان دائما خلاف تتجاوزه القيادات الخليجية بالحكمة والتعقل والحوار..، أما هذه المرة فقد كان على خلاف العادة، حيث أعلن عن أمور غير معهودة وخارقة لطبيعة سياسات دول المنطقة، والعجيب أن ذلك تم تحت غطاء الخلاف مع قطر.. وحجج الاختلاف، هي تهمة الإرهاب للإخوان المسلمين وحركة حماس.. هل هذه هي الحقيقة؟ وهل هذه هي الغاية من هذا الموقف؟ لنفرض جدلا أن ذلك هو الحقيقة ما هي مصلحة الخليج في أن يجرم الإخوان وتجرم حماس؟ ما الضرر الذي يلحق بالخليج إذا اختلف الإخوان مع الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي؟ والإيذاء الذي يلحق بالخليق عندما تقاتل حركة حماس العدو الصهيوني؟ 

ثانيا: المعروف عن طبيعة النظام في المملكة العربية السعودية مركزي، يمثل فيه الملك كل شيء، بجميع كلياته وجزئياته، وهو الأول والأخير، والمسؤولون في هذا النظام لا يُؤْذن لهم في العادة بالتصريح إلا نادرا، ولذلك لا نجد التصريحات في المملكة العربية كثيرة أو مفتوحة إلا لعدد قليل من المسؤولين، فكيف أُذن لسعادة السفير بالجزائر؟ وما الغاية من الإذن له؟ لا سيما أن القيادة السعودية وسعادة السفير نفسه، يعلمون طبيعة موقف الجزائر في الموضوع، الرسمي منه والشعبي، إذ لا يمكن أن يكون مُجَرِّما لحركة مقاومة  مهما كانت الأسباب الداعية للتجريم.

ثالثا: التصريح كان في قناة جزائرية، وهذه القناة الجزائرية، سبق لها وأن استضافت إماما شابا إماراتي من أصل أردني، كما أسلفنا جاءت به وكانت مهمته فيما يبدو هي النيل من الإخوان المسلمين، فأحاديثه المفضلة كانت في هذا المجال متناغمة مع مواقف بلاده الإمارات العربية المتحدة، وهنا أيضا لا ألوم الشيخ الشاب على قناعته في أية جهة تصب، وإنما أعيب عليه أن مهمته كإمام –إذا كانت المهمة دعوية- أن ينفع الجزائريين في دينهم ودنياهم، كما أعيب على القناة المضيفة "تيسير المهمة"، مهما كانت المبررات مادية أو معنوية، لا أن تساعده على تلويث مفاهيم الجزائريين في قضايا تخدم بلاد الشاب الإمام على حساب الآخرين؛ ذلك أن ما جاء به يتعارض مع ثوابت العرف الجزائري. وعندما تجري قناة حوارا مع سفير السعودية في هذا الظرف الاستثنائي، وتكون هذه القناة هي نفسها التي استدعت الإمام الشاب، ليقدح في جماعة الإخوان المسلمين، هل هذا صدفة ويقف عند حد السبق الصحفي؟ أم أن هناك أشياء لا نعرفها؟

رابعا: وقوع هذه الأمور على أرض الجزائر التي تعد القضية الفلسطينية من المقدسات والموقف منها ومن فصائلها من ثوابت الدولة الجزائرية، بل هي من ثوابت الشعب الجزائري بأكمله، كما أن الدولة الجزائرية لم تكن لها مشكلة مع جماعة الإخوان المسلمين، هل من الصدفة أيضا أن يكون تصريح السفير السعودي من على أرضها وهو يعلم ثوابت الجزائر ومتغيراتها؟

في اعتقادي إن مثل هذه الوقائع التي تبدو طبيعية في ظاهرها، هي ليست كذلك، ولكن في نفس الوقت يصعب التكهن بما تحمل من حقائق وأوهام. فتصريح سعادة السفير قد يكون طبيعيا لتناغمه مع موقف بلاده وسياستها الآنية، سواء كان ذالك بسعي منه أو بحرص من القناة، فهو طبيعي لأنه يمثل موقف بلاده، ولكن غير الطبيعي هو إشاعة مثل هذا في الجزائر بهذه الصفة وهذه الأساليب الإعلامية المثيرة..، هل يوجد في السلطة الجزائرية من يميل إلى هذا الطرح ويريد تسريب الموضوع للرأس العام الجزائري لتمييعه ورفع القداسة عنه عند الجزائريين؟ أم أن الحكاية حكاية كسر الطابوهات وكفى؟ أم أن الموضوع يقف عند صفقة إعلامية ربح فيها ربح وخسر فيها من خسر؟

والمحذور في اعتقادي، هو أن يكون هذا المنحى صيغة من صيغ الضغط على الجزائر، التي تعد من أخلص بلاد العالم للقضية الفلسطينية، لكونها أفضل من يعرف معنى الاستعمار الإستيطاني الذي يعاني منه الفلسطينيون، ومن أبعد الناس عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والعالم الأحادي اليوم اليوم يسير في اتجاه المنطق الأمريكي "من ليس معي فهو ضدي". ولعل الموقف من فتنة الخليج الأخيرة أكبر دليل على وضوح رؤية القيادة الجزائرية. كان يمكن أن تسارع الجزائر بتأييد القرارات المتخذة في حق قطر، لا سيما وأنها من الدول القليلة التي لم تعتمد مكتبا لقناة الجزيرة، لموقف لها من القناة، ولكن الجزائر تفرق بين معارضتها لمؤسسة إعلامية، قد لا يعجبها خطها، وبين الموقف من دولة ذات سيادة... 

  • print