إلى أين المفرُّ؟!

date 2017/08/06 views 4151 comments 2
محمد حمادي

الغابات تشتعل في بلادنا، الجو خانق، الحرارة تلفح، وأسعار كراء الشقق والإقامة في الفنادق على مقربة من الشواطئ، تنافس منتجعات جزر هاواي والكاراييب.. أبواب قنصليات الدول الأوروبية موصدة، والتأشيرة غير متاحة، والمنحة السياحية زهيدة، والحصول عليها لمن استطاع إليها سبيلا، في ظل الطوابير المكتظة في البنوك؛ وحتى تونس الجارة لم يعد فيها السائح يَأمن على نفسه وماله، في ظل تنامي الاعتداءات المصحوبة بالسرقة، التي أضحت المدن السياحية مسرحا لها في الآونة الأخيرة.

إلى أين المفرّ؟! يتساءل كثير من الجزائريين الذين كانوا يمنُّون النفس بقضاء عطلة سعيدة هنيئة، بعد عام من التعب والضغط. وإذا كانت الرّاحة السنوية  لدى مواطني دول الغرب مقدسة لابد من قضائها في أحد المنتجعات السياحية لشحن بطاريات النفس مجدّدا، والنيل من الإرهاق والتعب الذي مسّهم طيلة عام كامل، فإن العكس تماما يحدث في بلادنا، حيث تحوّل قضاء العطلة إلى كابوس يطارد العائلات التي أصبحت في حيرة من أمرها، بخصوص اختيار المكان المناسب الذي تهرب إليه للترويح عن النفس، والظفر بأيام من الراحة في كنف الطمأنينة والسكينة، لكن للأسف انتحرت هذه الحقوق التي تحوّلت إلى مجرد أحلام، على أسوار سلوكيات الجشع والطمع والاحتيال التي باتت تطبع كثيرا من بني البشر الذين وجدوا في الاصطياف فرصة كبيرة للانقضاض على جيوب أولئك الفارِّين من جحيم الحرّ.

"سماسرة الاصطياف" في كثير من الولايات الساحلية عبر الوطن، أصبحوا يحتالون على الراغبين في الاستجمام بالشواطئ، في ظل غياب الرقابة؛ فكيف يُعقل أن يتجاوز ثمن قضاء ليلة واحدة في غرفة مهترئة قرب البحر، تنعدم فيها متطلبات الحياة 5000 دينار؟. هذا السعر المبالغ فيه يمكّن شخصين من قضاء ليلة بغرفة فاخرة في فندق أربع نجوم يقع في مدينة ساحلية بتونس، مع تأمين المأكل والمشرب، والاستمتاع بزرقة البحر على بعد أمتار فقط من مكان الإقامة!

صحيح أن الله تعالى حبانا بمتاحف طبيعية، وشواطئ خلابة تأسر الناظرين، وغابات تصدر الهواء العليل، وجبال تكتنز مغارات وكهوفاً عجيبة، تُغنينا عن الذهاب إلى بلدان أخرى، لكن الحقيقة المرّة هي أنّ كثيرا من هذه الفضاءات تحوّلت إلى أماكن محرّمة على العائلات، لافتقادها لهياكل الراحة والترفيه، وغياب الأمن، ما جعلها مرتعا للمنحرفين يمارسون فيها شتى أنواع الفساد الأخلاقي.

حياة الجزائريين المليئة بالهموم والضغط، دفعت كثيرا منهم إلى تغيير الجو والهروب من البلد، فكانت الجارة تونس الوجهة الأولى، لاعتبارات عديدة في مقدمتها انخفاض أسعار الفنادق والشقق، إلا أنّه حتى هذه الوجهة لم تعد آمنة، بالنظر إلى الاعتداءات المصحوبة بالسرقة التي طالت عددا من السياح من بينهم جزائريون، ولو أنّ سفير تونس بالجزائر هوّن من شأنها، إلا أنّ ما تناقلته الصحافة الوطنية بخصوص ذلك الأستاذ الجامعي الذي سُرقت منه سيارته وأمواله وجوازات سفر أفراد عائلته مؤخرا بالعاصمة تونس، رسمت صورة قاتمة عن الأمن بهذا البلد.

باختصار، تجمعت كل منغصات الحياة وتحالفت لتعكر صفو عطلة الجزائريين الذين فقدوا بوصلة السياحة منذ زمن، وأصبحوا يبحثون عن أي مكان يهربون إليه، بحثا عن راحة البال.

  • print