لماذا لا تعلن الجزائر.. الحِداد؟

date 2017/08/11 views 3400 comments 18

الصورة الرمادية، والدمار الشمال، الذي ما ترك أخضرَ ولا يابسا، ونسف آخر ثروات الجزائر الظاهر منها، من غابات بأشجارها النادرة والمعمّرة وحيواناتها، بعد أن أتت النيرات على عشرات الآلاف من الهكتارات، هو مأساة وطنية بكل المقاييس، لا تتطلب إعلان الحداد فقط، وإنما تجنيد كل الجزائريين، لأجل كشف المتورطين في هذه المصيبة، ومعاقبتهم ووضع قوانين جديدة، لتحويل الغابة إلى جنّة كما هو الشأن في كل بلاد العالم وليست جهنم كما كانت الحال هذه السنة والتي سبقتها من سنوات، قبل أن نشرع في ترميم ما يمكن ترميمه، عبر مشاريع قومية، يشارك فيها الجميع لإعادة الحياة للغابات، بالرغم من أن الدمار الذي حصل، هو حرق جهد عمره قرنان من الزمن على الأقل، في بضع ساعات.

عندما يصل رقم الخسائر إلى أكثر من خمسة آلاف هكتار من الأشجار في محميات مدينة قالمة فقط، وهي المنطقة الوحيدة التي توجد فيها أنواع نادرة من الأشجار، وتضم ما تبقى من أيّل بربري ومن طيور، ولا نكاد نسمع عن مسؤول محلي أو منتخب أو حتى مواطن يبكي هذه المأساة، فمعنى ذلك أن الحريق قد أتى على القلوب والضمائر قبل الغابات، وعندما نسمع عن فلاحين فشلوا في تحويل بور أراضيهم إلى خصب، فأحرقوها بحثا عن تعويضات مالية، أو نازحين إلى المدن الكبرى عادوا إلى حرق الأرض التي هجروها، من أجل تعويضات تُمكّنهم من بناء فيلات في المدن، ندرك أننا وصلنا إلى مرحلة "أنا وبعدي الطوفان أو الأرض المحروقة" التي تعني الموت الصريح للضمائر، قبل موت الأشجار والحيوانات.

لقد رفض الأمريكيون إقامة مدينة عصرية على أنقاض شجرة معمّرة ونادرة واحدة، كانت تتوسط الطريق، ونقلوا مشروعهم بتنسيق بين السلطة والمواطنين إلى مكان آخر بعيد، من أجل أن تعيش الشجرة آمنة، ومعها ضمائر الناس هناك، ولا يجد بعض الناس عندنا أي حرج أو خجل في القضاء على ملايين الأشجار من أجل حفنة مال، تسمح لهم ببناء إسمنتي في هذه المدينة أو تلك، أو من أجل شراء سيارة يجوبون بها الطرقات الإسمنتية.

وإذا كانت درجة الحرارة قد حطّمت في هذا الصيف كل الأرقام القياسية المرتفعة، في شمال البلاد مثل جنوبه، وجعلت من الحياة ولا نقول من العمل مستحيلة، فإن الجزائر بعد هذه الكارثة الإيكولوجية ستصبح غير صالحة مناخيا للحياة، ليس في فصل الصيف فقط وإنما في كل فصول السنة، عندما ينقرض الأخضر من جغرافيتها، ولن نعيب حينها زماننا، مادام العيب قد كان فينا.

لم نفهم لماذا لم تعلن الجزائر الحداد بعد هذه الكارثة الكبرى، التي أتت على أهم ثروات البلاد، وإذا تواصل التعامل مع المحيط على هذا المنوال، فإن أبناءنا سيرثون خزينة لا يوجد فيها دولار واحد من احتياطي الصرف بالعملة الصعبة، وأرضا قاحلة لا قطرة بترول فيها، وبيداء لا شجرة واحدة فيها.. ولكم أن تتصوروا مصيرنا؟ 

  • print