"هواري".. سفير فوق العادة؟!

date 2017/08/13 views 1785 comments 5
محمد حمادي

الصورة النمطية القاتمة التي انطبعت في ذهن الأوروبيين، عن المغتربين الجزائريين، حتى أصبح ذكرُهم للأسف، مقترنا بأعمال العنف والسرقة والاحتيال وترويج المخدرات، لن تُمحى إلا بتلك التصرفات الحضارية المستمدة من قيمنا الدينية التي يصنعها في كل مرّة أبناء البلد في ديار الغربة، حيث باتوا يضربون أروع الأمثلة في الاحترام والوفاء والتسامح وحفظ الأمانة.

الحقيقة هي أن كثيرا من الجزائريين، الذين ركبوا قوارب الموت، لاهثين وراء سراب الضفة الأخرى، فقدوا البوصلة وتاهوا بين ثنايا الأحلام الوردية، بعدما اصطدموا بواقع مرير لا يقلُّ إيلاما عن ذلك الذي تركوه في بلادهم؛ فالجنة الموعودة التي كانوا يمنّون بها النفس، سرعان ما اكتشفوا أنها مجرّد أوهام، ليجدوا أنفسهم في مجتمع أوروبي يتخذ من البراغماتية منهاجا في الحياة، ولا يؤمن بسوى العمل لكسب القوت. هذا الواقع لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يبرّر مظاهر السرقة والاحتيال والعنف ضد الآخر، التي تورّط فيها كثيرٌ من المغتربين بدعوى الفاقة والغبن.

لكن ما قام به مؤخرا هواري سعيداني، ابن الباهية وهران، المقيم بمدينة مايوركا الإسبانية منذ سنوات، وتناقلته صحافة هذا البلد، يبعث على الافتخار والاعتزاز بأبناء الجزائر الغيورين على وطنهم والحريصين على سمعته، حيث أضحوا بمرتبة سفراء ينقلون كل ما هو إيجابي عنه وعن ساكنته، بأخلاقهم العالية وتصرُّفاتهم الحضارية الراقية. هواري غيمة في زمن الجفاف والملوحة، استثناءٌ بشري في زمن النكران والخداع وخيانة الأمانة، كيف لا؟! وهو الذي لم تُغرِه الـ77 ألف أورو التي وجدها تحت صندوق بريده بالعمارة التي يسكن بها، ولم يوسوس له الشيطان كي يستحوذ عليها، ويعيش عيشة هنيئة مليئة بالبذخ، ما دام أنه مجرّد نادل في مطعم. لكن هواري رأى نفسه جزائريا من بين 40 مليونا ستتضرّر صورتهم لدى الإسبان إن تصرّف بأنانية وامتدت يده إلى مال الغير واكتُشفَ أمرُه؛ فقرّر تسليم هذا المبلغ الكبير للشرطة.

هواري رفع رؤوسنا عاليا وجعل الراية الوطنية ترفرف خفاقة في بلاد الأندلس، وهو الذي أزال دهشة الصحافة الإسبانية التي سألته عن الدافع وراء إرجاعه هذا المبلغ الكبير للشرطة؟! وسرعان ما أجابها ببضع كلمات معبّرة، تحمل كثيرا من المعاني: "قررت تسليم المال لأنني تعلمت خصال الوفاء من أمي وأبي.. لقد وضعت نفسي مكان صاحب المبلغ.. كنت سأجنّ لو ضاع مني مبلغٌ كهذا".

هي كلماتٌ مفعمة بالصدق والإخلاص، كان وقعها أشّد على الإسبان وحتى الجزائريين الذين اكتسحوا مواقع التواصل الاجتماعي، بتعليقات حملت معاني التبجيل والتقدير لابن البلد، الذي استطاع أن يزيح تلك الصورة المظلمة عنهم، ويمثلهم أحسن تمثيل في بلد أوروبي، تشتكي سلطاته دائما من التصرفات "الهمجية" للمهاجرين.

الآلاف من رواد الفضاء الأزرق الذين أمطروا هواري بعبارات الشكر والثناء، نصبوه "سفيرا فوق العادة" خارج البروتوكولات الرسمية، كونه لا يحتاج إلى أوراق اعتماد وحفلات تنصيب في الدولة التي تستضيفه، لأنّ أخلاقه وإنسانيته سبقت منزلته الاجتماعية، ومنحته هذا اللقب الذي لا يستحقه إلا كبار الدبلوماسيين المتمرِّسين الذين يمثِّلون البلد في عواصم الدول العظمى.

  • print