مداخلة "الجرح والتّرعاف"!

date 2017/08/14 views 5768 comments 10
رشيد ولد بوسيافة

رئيس تحرير مكلف بالمتابعة

عندما يتم الحديث عن 600 شكوى لأئمة تعرضوا لاعتداءات لفظية وجسدية من قبل متشددين يترددون على المساجد ويحاولون تغيير نمط الجزائريين بالقوة، عبر استهداف الأئمة واتهامهم بالانحراف عن الإسلام، فإن المشكلة لم تعد قضية إمام فقط وإنما هي مسألة تحدّ يواجه مجتمعا بكامله، يتعرض للمسخ الديني عن طريق استيراد أفكار شاذة من المشرق أو من المغرب، ومحاولة فرضها بالعنف.

وأخذا بعين الاعتبار أن الكثير من الحالات لا يتم تبليغ الأمن بها، حيث يتم احتواء الخلافات وديّا بعد تدخل العقلاء، فإنّ المعضلة لا يمكن تجاوزها بتدخل وزارة الداخلية لتوفير الحماية للأئمة، وإنما لا بد من اتخاذ ترتيبات أخرى أكثر فاعلية وصرامة، تهدف إلى فهم الظاهرة الدينية المتشددة ووضع أولئك الذين يحاولون تغيير المرجعية الدينية للجزائريين بمرجعيات أخرى متنطّعة، تحت مجهر المراقبة والتحليل.

إذا ثبت فعلا أن أغلب الشكاوى التي يتقدم بها الأئمة إلى مصالح الأمن سببها اعتداءات تورط فيها شباب ينتمون إلى التيار السلفي المدخلي، فإن الأمر لم يعد يحتمل الانتظار، ولا بد من القيام بعمل فكري توعوي لمحاصرة التطرف والتشدد، ومنع كل نشاط داخل المسجد يحمل إيديولوجية مستوردة لا تتماشى مع المرجعية الدينية للجزائريين.

صحيح أن هذا التيار يقوم على مهادنة السّلطات في كل بلد يتواجد به، سواء بقناعات مبدئية، أو للتمكين لأفكاره وأهوائه، لكنه بالمقابل يهدد الكيان الاجتماعي والاستقرار العام، من خلال معارك واستفزازات صارت على المكشوف، لفرض إيديولوجية متطرفة تقترب من "النمط الثيوقراطي"، كما يتورط في إحداث فتن وتفجير نقاشات ساخنة على قضايا هامشية، تشغل الناس وتشوش عليهم وتشكك حتّى في نمط تدينهم.

والغريب أن سهام هؤلاء لا تتجه إطلاقا إلى الفاسدين والمرتشين والمتلاعبين بالمال العام، بل إن كل همهم هو إثارة القلاقل في المساجد وفي أوساط المتدينين عموما وتغذية الصّراعات والفتن، حاملين شعار "الجرح والتعديل" بما يعطيهم الحق في التشكيك في تدين الناس وقناعاتهم واعتقاداتهم، ومع الوقت تحول هذا الشعار عمليا إلى "الجرح والترعاف"، بعد أن بدأت سلوكاتهم تتحول تدريجيا إلى تصرفات عنيفة ضد الأئمة الذين يتصدون لنشاطهم المشبوه، في تشويه العلماء العاملين عبر العالم، وكسر مرجعيات الأمّة.

والخطير في الموضوع أن بعضا من معتنقي هذا التيار المتشدد وصلوا فعلاً إلى منابر المساجد، مستغلين بعض التساهل معهم من طرف وزارة الشؤون الدينية، لدرجة أن أحدهم هاجم العام الماضي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من فوق المنبر، وقال إنها جمعية بدعية، وأثنى في نفس الخطبة على الشيخ السعودي ربيع المدخلي الذي أسس لهذا الفكر المتشدّد، ما يعني أنّ قطع الطريق أمام هذه النماذج جزء أساسي من الوقاية والحلّ على السواء.

  • print