"الجحش" بكاء على التعليم.. والتربية

date 2017/09/03 views 5886 comments 17

اشتريت جحشا قبل سنتين، وكان عمره شهر واحد، وربيته أحسن تربية..! قمت في ذلك بمجهود فردي غير مسبوق..! أردت أن أنافس وزارة التربية والمنظومة التربوية، وأن أعكس رأي الناس في الحمار المغفل الجاهل "الحمار"!. وأن يجعل الحمار يقرأ ويكتب.. ويجتاز امتحان الباكالوريا في عامين..

بدأت معه بتعلم الكتابة بأن ربطت له قلما في قائمته الأولى اليمنى.. وهذا بعد أن علمته كيف يجلس وكيف ينزع القلم بفمه.. ويضعه خلف أذنيه كالنجار!..علمته في شهرين كيف يكتب ويقرأ ما يكتب! أكبر صعوبة وجدتها في النطق! فلقد تعود جينيا أن ينهق..! لكن أنا علمته أن يتكلم! بلغة عربية وفرنسية أيضا! الفرنسية لم يتعلمها بسهولة.. لكنه قال لي إنه لا يحبها لأنها لغة كلاب العائلة! فالكلاب كما قال هي التي تسمى بأسماء فرنسية ونناديها داخل البيت بكلمات فرنسية! " أنتم تتحدثون مع الكلاب في بيوتكم بالفرنسية.. وأنا لست كلبا.. ولا أريد تعلمها".. هكذا قال لي.. لكني أفهمته بأن الدولة تريد ذلك.. فقال لي: أريد أن أتعلم الأمازيغية أولا.. قلت له: والله أنا نفسي أريد ذلك وأشعر بأني حمار لكوني لا أعرف لغتي..! 

تعلم جحشي... الذي أسميته "العاقل".. بعدما اكتشفت أنه أعقل مني ومن كثير ممن هم من جنسي!.. اكتشفت أنه يتعلم بسرعة وذكي أكثر مما كنا نتصور ومما ألصقنا به من تهم. برنامج السنوات الابتدائية ابتلعها هو في شهرين بدل سنوات..بل وصحح لي كثيرا من الأخطاء في البرنامج.. لاسيما الأخطاء اللغوية والإملائية وحتى التاريخية التي تواجدت في النصوص! في المرحلة المتوسطة.."العاقل" صار "يطير" في الرياضيات والعلوم والفيزياء واللغات والتربية المدنية..! صار يحدثني في المرحلة الثانوية..خلال منتصف السنة الثانية..عن الفلسفة ويناقشني في أمور لا أنكر أني أجهلها!.. وناقش معي فلسفة كانط... وهوبز.. وسبينوزا وشوبنهاور.. وروسو.. وديكارت.. والغزالي .. وابن رشد ومحيي الدين بن عربي في التصوف..! الحاصل أني غرقت معه...! شعرت بأني أنا حمار أمام جحش قد بدأ "يتحمر"!.."فجحشت" بالبكاء،! لا لأنه أفحمني في كثير من المسائل، بل لأني توصلت لأن أجعل من الجحش حمار المستقبل.. بفعل المنهجية والبرنامج السهل غير المكثف والمثابرة.. والعمل الميداني..! كما "أجحشت" و"أجحش" هو معي بالبكاء لبكائي"..لكون المنظومة التربوية رفضت أن تدخله المدرسة... بدعوى أنه "حمار" لا يفهم! وبدعوى أن المدرسة لا تريد أن تخرج "حمير"... بل تلامذة!..

بدون أن يدخل يوما للمدرسة ..تمكنت من أجعل من الجحش نابغة..! ثم أ"جحشت" بالبكاء ثانية.. عندما قال لي: سيدي.. أشكرك لأنك لم تدخلني  المدرسة..!

وأفيق من نومي وابنتي التي تحضر نفسها للباكالوريا السنة المقبلة، تقول لي ونحن على شاطئ البحر في هذا اليوم المشمس: بابا.. البحر الأبيض المتوسط.. وين جاء؟

  • print