إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا

date 2017/09/03 views 3792 comments 0
author-picture

icon-writer سلطان بركاني

نعيش في هذا اليوم ساعات آخر أيام التّشريق، التي يرمي فيها حجيج بيت الله الحرام الجمار؛ رمي يثير حفيظة الملاحدة والعلمانيين للاستهزاء والسّخرية من هذه الشّعيرة التي ما شرعت إلا ليتذكّر معها المسلم عداوة الشّيطان ومعركته الحامية المستمرّة معه، معركة تستغرق حياته كلّها، فمنتصر سعيد أو خاسر طريد، معركة أعلنها الشّيطان ولا مناص لكلّ عبد يريد النّجاة من خوض غمارها ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)).

الشّيطان، أخي المسلم، هو من فتن أبويك وأخرجهما من نعيم الجنّة، وهو من حمله الكبر والغرور على معصية الله ((وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)).. عرض اللّعين أمر الله على هواه فوافق نفسا تطفح بالغرور فقابل أمر الله بالرّفض فكان الجزاء "من النّعيم إلى الجحيم".. إنّه لا مكان في الجنّة للمتكبّرين، بل لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر.. ((تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين)).

أخي المؤمن.. انظر في حالك: كم أمرا لله ورسوله عصيت؟ ثمّ اسأل نفسك لماذا عصيت الله ورسوله في هذا الأمر وذاك وذاك؟. كن صريحا وفتّش جيّدا، فقد تجد في نفسك من الكبر ما يمكن أن يرديك ويهلكك.. اسأل نفسك لماذا لا أصلّي في المسجد إلاّ مرّة في الأسبوع والمنادي يدعوني خمس مرّات كلّ يوم "حيّ على الصّلاة"؟ لماذا أصلّي صلاة العيد في المسجد وأنام عن صلاة الصّبح، مع أنّ صلاة العيد نافلة وصلاة الصّبح فريضة؟ سائل نفسك أخي المؤمن، كم مرّة كنتَ في سفر أو في وليمة أو مناسبة فاستثقلت أن تستأذن لتصلّي الصّلاة لوقتها؟ إنّ الكبر أخي المؤمن قد يكون خفيّا في نفسك ولا تشعر به إلاّ في مواطن الامتحان، فامتحن نفسك قبل أن تُمتَهن، لا تجعل للشّيطان على نفسك سلطانا فيصيبها بالعدوى التي أخرجته من الجنّة.

أخي المؤمن.. لمّا أيقن الشّيطان أنّه لا محالة هالك، ما كان منه إلاّ أن طلب إلى الله أن ينظره إلى يوم البعث ليجتال ذريّة آدم عن صراط الله المستقيم، حسدا من نفسه، فكان له من الله ما أراد، ((قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِين)).. فأخذ على نفسه عهدا أمام الله على إغواء عباده واجتيالهم عن صراطه المستقيم ((قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين))، فكان جواب الحقّ جلّ وعلا: ((قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)).

ربّنا– جلّ وعلا- يريد لنا أن نكون من أهل جنّته ويريد لنا الشّيطان أن نكون معه في الجحيم، ولو شاء الله لهدى النّاس جميعا ولكنّه الامتحان والابتلاء، فهل سنكون من حزب الله المفلحين أم ترانا سنكون من حزب الشّيطان الخاسرين؟

أيّام التّشريق أيّام رمي، يرمي فيها الحجيج الجمار بحصيات صغيرة، وفي هذا من المعاني أنّ كيد الشّيطان ضعيف وحبائله أوهى من خيوط العنكبوت، وفي ذلك يقول عزّ من قائل: ((إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا))؛ كيده ضعيف، ولكنّها الغفلة التي جعلتنا نستعظم كيده. 

إذا كانت أيام التّشريق أيّام رمي للجمار بالنّسبة إلى الحجيج، فلتكن أيّام مراجعة بالنّسبة إلينا؛ نتنبّه فيها ونتذكّر عداوة الشّيطان لنا، ونعقد العزم على إخزائه ومخالفته؛ إذا صلّيتَ الصّبح لوقتها- أخي المؤمن- فقد رميت الشّيطان بحصاة هي أشدّ عليه من صخرة عظيمة، وإذا أخرجت صدقة من الصّدقات فقد رميته بأخرى، وإذا ذكرت الله واستغفرته وتبت إليه فقد رميته بأخرى، وإذا دعاك إلى عقوق والديك فخالفته وأطعتهما فقد رميته بأخرى، وإذا أراد أن يحرّك لسانك بغيبة فعصيته فقد رميته بأخرى، وإذا أراد صرف عينك إلى نظرة آثمة فغضضت بصرك فقد رميته بأخرى، وهكذا... لتكنْ حياتُك كلّها رميا للشّيطان، فارْمِ شدّ الله ساعدك وأعانك ووفّقك لما يحبّه ويرضاه.

  • print