الخديعة

date 2017/09/04 views 2834 comments 0

يختلط على كثير من الناس المعنى للإنسانية فيسوقونه إلى الحديث عن العولمة والعكس صحيح، فيما تظهر كوارث العولمة في كل حين على البشرية وتحطيم معاني الإنسانية.. فالعولمة هي تسليع الحياة البشرية والسيطرة على أمزجتهم وأهوائهم وسياساتهم واقتصادهم وتبعا لذلك أو قبلا منه ثقافتهم لكي تحقق الشركات الرأسمالية العملاقة أرباحا جنونية وهنا يمتد رأس المال بأنيابه ليمزق كل محاولات الخروج عن العجلة..

وتتحول الكتلة المالية إلى قوة سياسية تحت تصرفها ورشات فكرية وثقافية تشتغل لصناعة الأفكار والمذاهب وأحيانا ديانات كالأحمدية والبهائية والقذف بها بمنجية الاختراق في المجتمعات لصناعة قنابل موقوتة من التوتر والتناقض والصراع يتم تفجيرها في اللحظة المناسبة.. وتقوم قوى رأس المال العالمية على صناعة الحروب وإشعال الفتن ليتسنى لها بيع الفائض من منتوج شركاتها العملاقة وهي من اجل ذلك كله قعدت القوانين واللوائح الدولية ومؤسسات ومنظمات دولية إلى الاحتكام والمتابعة والملاحقة.. هذه هي العولمة في جوهرها وهذه هي الخطوط الأساسية التي تشكلها وتتصرف في مجالها وهي تتحرك بدأب ولعلها وصلت الآن إلى الذروة بحيث اصبح رأسمال تلك القوة المحدودة الخارقة اكثر من سدس الثروة العالمية جمعاء وتسير اكثر من نصف الكرة الأرضية تبعا لها أما النصف الثاني فيعيش عالة على النصف الأول.

اما الإنسانية فهي ضمير الإنسان المجرد من التراكمات السلبية التي تتولد عن اختلاف الطبقات والولاءات والأعراق والإنسانية هي حالة يقظة من صحو الضمير الإنساني بالعودة إلى الذات الحقيقية فيرى الإنسان انه أخ لكل انسان على وجه الأرض ليس له من مزية على أخيه بأي سبب من الأسباب وهو مدعو إلى نصرة المظلوم من اخوانه والتعاون مع من يريد التعاون ويحتاجه والعمل لتصحيح مسار البشرية التي تسير بتسارع نحو الفناء.

وللإنسانية نماذج لا حصر لها كأن تجد فرنسيا يحمل حقيبة سلاح مع الثوار الجزائريين ومثالهم موريس أودان الشهيد البطل، وان تجد يهوديا يقف بقوة ضد الصهيونية فيحرم من قوت يومه كالبروفيسور غولد نشتاين أو ان تجد امريكية مرفهة منعمة تأتي إلى رفح بفلسطين تتصدى لدبابات الاحتلال فتقضي شهيدة كراشيل كوري وهكذا.. وتجد الإنسانية في رؤساء كرئيس الأورغواي ورئيس وزراء كندا وغيرهم وتجد الإنسانية في قضاة وحكام وقادة جيوش وأطباء وتجار، كما انك تجد أناسا محرومين من الحس الإنساني متغلغلة فيهم النزعة العنصرية الأنانية التي تغطي ضميرهم وتطمسه تجدهم في محراب الصلاة او في البار او في القضاء او في السياسة او في الثقافة والفكر..

الإنسانية تخرج من تحت لتصعد إلى فوق وتتحرك افقيا. اما العولمة فهي تأتي من فوق لتكسر الأفق وتنغرس في صدور القواعد بعنف وبطش شديدين.. وفي الحالتين المعركة إما على صعيد الخارج او على صعيد الداخل يقول ربنا: "وانك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه".

  • print